يا أيتها القِدر السحرية… توقفي!

▪︎ واتس المملكة
.
يحوّل المقال قصة «القِدر السحرية» من حكاية طفولية إلى فلسفة حياة تؤكد أن الخير نفسه يحتاج إلى حدود وميزان، وأن المشكلة ليست في العطاء أو الجمال في أصلهما، بل في تركهما يتدفقان بلا توقف. يوضح الكاتب أن الإفراط في المال، والكلام، والمزاح، والحب، والغيرة، والمدح، والعطاء، يمكن أن يقلب النِّعم إلى نقم،…
من قصة أطفال إلى فلسفة حياة
كنت أتحدث مع أروى صديقتي في النادي الرياضي، تلك الفتاة الجميلة خُلُقًا وشكلًا، عن بعض كبار السن الذين يجدون سعادتهم في العطاء، وكأن أيديهم لا تعرف إلا أن تمتد بالخير؛ غير أن بعضهم يبذل بلا نهاية، وبعضهم يعرف للعطاء حدًّا وميزانًا، فيعرف متى يقول ليده: يا أيتها اليد، توقفي.
فسألتها: «أتعرفين قصة القِدر السحرية؟»
نظرت إليَّ مستغربة وقالت: «لا».
عندها شعرت أنني أقف على أرض غير الأرض التي تقف عليها؛ فنحن في طفولتنا تربينا على قصص مصورة صغيرة، كانت كلماتها قليلة، لكنها كانت تزرع في داخلنا أفكارًا أكبر من أعمارنا.
ومن أجمل تلك القصص قصة فتاة فقيرة أُهديت قِدرًا سحريةً تطبخ كلما أُمرت، ولا تتوقف إلا إذا قيل لها: «يا أيتها القِدر السحرية… توقفي!».
وفي أحد الأيام، أمرت أمُّ الفتاة القِدر أن تطبخ، لكنها نسيت كلمة التوقف، فظلّت القِدر تطبخ حتى غمرت المهلبية البيت والشارع والقرية كلها.
وقصة القِدر السحرية طويتُها في طفولتي حكايةً، فأعادتها إليَّ السنوات فلسفةً.
ومن هنا جاء السؤال: هل كل زيادة خير؟ وهل يكفي أن يكون الشيء جميلًا في أصله حتى نتركه يتدفق بلا حدود؟
أرى أن الخير، مهما كان جميلًا، يحتاج إلى حكمة تديرُه وحدودٍ تحميه؛ فالقِدر السحرية لم تخطئ حين طبخت، والمهلبية لم تكن شرًّا، وإنما كانت المشكلة في أن الخير نفسه لم يعرف متى يتوقف.
وما حدث للقرية يحدث في حياتنا بصور مختلفة؛ فالمال إذا أُسيء استخدامه أصبح فتنة، والكلام إذا كثر فقد قيمته، والمزاح إذا تجاوز حدّه أصبح أذى، واللهو إذا زاد استنزف العمر وصرف الإنسان عن عمله ورسالته.
واليوم نحتاج إلى هذه الفكرة؛ لأننا نعيش زمنًا يمجّد الكثرة: مزيدًا من كل شيء، وكأن قيمة الأشياء تُقاس بكميتها، لا بحكمتها وأثرها. حتى العطاء يراه بعض الناس فضيلة مطلقة لا يجوز أن يتوقف، ولو أنهك صاحبه وأفسد متلقّيه.
ومنذ أن فهمتُ فلسفةَ هذه الحكاية، كلما رأيت إنسانًا يستنزف نفسه في العطاء، أو كلمات مديح تُلقى بلا حساب حتى تفقد معناها، تذكرت أن القِدر ما زالت تطبخ، وأن أحدًا نسي كلمة التوقف.
ولا تقف صور اختلال الميزان عند العطاء والمدح؛ فالكلام إذا تجاوز موضعه أصبح ضجيجًا، والنصيحة إذا جاءت في غير وقتها تحولت إلى وصاية، والاهتمام إذا تجاوز حدّه أصبح ملاحقة، والحب إذا فقد حدوده انتقل من الدفء إلى الاختناق، والغيرة إذا زادت أصبحت شكًّا واتهامًا.
حتى المدح، وهو كلام جميل، حذّر النبي ﷺ من المبالغة فيه؛ فقال لرجل بالغ في مدح آخر: «ويلك، قطعت عنق صاحبك» (رواه البخاري)؛ لأن النفوس قد تُفتن بالثناء، ولأن الكلمة إذا خرجت من ميزانها قد تتحول من تشجيع إلى تزكية، ومن صدق إلى تملّق. ولذلك كان الاعتدال ميزانًا يحفظ الأشياء الجميلة من أن تفسدها الزيادة.
وكما يحتاج الكلام إلى ميزان، يحتاج العطاء أيضًا إلى ميزان؛ وقد جاءت الشريعة بالتوازن فيه. فعندما أراد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يتصدق بأكثر ماله، لم يأذن له النبي ﷺ، وقال له: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس» (متفق عليه).
وما يصدق على الكلام والعطاء يصدق على سائر نعم الله؛ فسوء التصرف قد يحوّل العلم، والمال، والمنصب، والقوة، والذكاء، والكلام، وحتى الصمت، إلى نقمة. فالعلم بلا تواضع استعلاء، والمال بلا حكمة تبذير، والمنصب بلا عدل طغيان، والقوة بلا رحمة بطش، والذكاء بلا أخلاق مكر، والكلام بلا ميزان ضجيج قد يهلك صاحبه، والصمت في غير موضعه قد يكون تواطؤًا وظلمًا وضياعَ حق.
وأظن أن أجمل كلمة في قصة القِدر السحرية لم تكن: «اطبخي»، بل كانت: «توقفي».
وكأن الحياة كلها تحتاج منا أن نعرف متى نقول: يكفي. سأقف هنا. لن أزيد. هذا الحد مناسب.
لهذا لم تعد القِدر السحرية بالنسبة إليَّ حكايةً من طفولتي، بل أصبحت رمزًا لكل نعمة تحتاج إلى حد، ولكل علاقة تحتاج إلى ميزان، ولكل إنسان يظن أن الاستمرار فضيلة، حتى بعد أن يبدأ الخير في إيذائه وإيذاء من حوله.
يا أيتها القِدر السحرية… توقفي؛ فليست كل زيادة خيرًا، والنعمة التي لا يحرسها حدٌّ قد تفقد معناها، وقد تغمرنا يومًا بما كنا نظنه خيرًا، فلا نجد الطريق ولا البيت ولا أنفسنا وسط هذا الفيض.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq