الكتاب لا يُقرأ من سطر

▪︎ واتس المملكة

.

المقال يوضح أن سرعة إطلاق الأحكام ليست دليلًا على الفطنة أو قوة الحضور، بل قد تكون تشويهًا للحقيقة؛ لأنها تقوم على معرفة ناقصة، ونصف جملة، ومقطع مبتور، ورواية من طرف واحد، وتمتد أحيانًا إلى سوء الظن بالنيات بلا دليل. ويستدل الكاتب بالقرآن والسيرة النبوية على ضرورة التثبت وحسن الإنصات وترك السرائر لل…

الحكم السريع لا يثبت الحضور… بل يشوه الحقيقة

شعار الموقع

أخبار عاجلة - أخبار حصرية - أوامر ملكية

منوعات | فيديو | صور | تقنية
رياضة | وظائف | صحة

إشترك بخدمة الواتساب مجاناً
لتصلك الرسائل

انقر هنا للإنضمام

هل الحكم السريع دليل على الفطنة وقوة الحضور؟ أم أنه حكم ناقص يشوّه الحقيقة؛ لأنه ي التجربة، ولا ينتظر اكتمال الفكرة أو تمام الإنصات، بل يمتد أحيانًا إلى الحكم على النيات؟

لم يعد الحكم ينتظر انتهاء الجملة؛ ففي المجالس ومنصات التواصل، يكفي نصف الكلام لإدانة قائله، ومقطع مبتور لكتابة بقية الحكاية، ورواية من طرف واحد لإقامة المحكمة والنطق بالحكم. وكأن التريث ضعف، وكأن أسرع الناس حكمًا أكثرهم وعيًا.

والحقيقة أن الحكم السريع لا يثبت فطنة ولا حضورًا؛ لأنه يبني يقينًا كبيرًا على معرفة صغيرة. أما الحضور الحقيقي فيظهر في حسن الإنصات والتثبت، ومنح الإنسان الوقت الكافي ليشرح فكرته ويوضح قصده، وألا يُساء الظن بنيته من غير دليل.

وهذه ليست مشاهد متخيَّلة، بل مواقف شهدتُها، وما تزال تتكرر بصور مختلفة: مدرِّبة حُكم عليها من ملامحها قبل أن تبدأ حديثها، واقتراح رُفض قبل أن يكتمل عرضه، وشخص تحدّث عن إنجاز حققه فألبسوه في لحظة ثوب الغرور، وآخر أعطى مالًا فوصفوه بالمنّان، ومتحدث في مجلس أو مساحة لم يُمهل حتى يبسط فكرته؛ فوجد من يقاطعه، ويفسر قصده، ثم يحاكمه على تفسير لم يقله.

ولا تقف المشكلة عند قراءة الكتاب من سطر واحد؛ بل تتجاوز ذلك إلى كتابة بقية صفحاته تخيلًا! ويُنظَر إلى اللوحة من ثقب الباب، ثم يُزعم أنها شوهدت كاملة.

فإذا كانت المعرفة ناقصة، فكيف يكون الحكم مكتملًا؟

كان يمكن لسؤال صغير أن ينقذ حقيقة كاملة: هل هذا ما قصدته؟

وقد وضع القرآن لهذا الاندفاع حدًّا واضحًا، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

فلا حكم بلا علم، ولا اتهام اعتمادًا على رواية ناقصة، ولا نية تُنسب إلى إنسان بسبب كلمة محتملة أو مقطع مبتور.

ولم يكتفِ القرآن بالنهي، بل قدّم نموذجًا في التثبت؛ فعندما جاء الهدهد سليمان عليه السلام بخبر عظيم، لم يصدقه فورًا ولم يكذبه، وإنما قال:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: 27].

﴿سَنَنْظُرُ﴾؛ كلمة واحدة وضعت بين الخبر والحكم مساحةً اسمها التحقق.

وعلى هذا الأدب كان النبي ﷺ؛ إذ تروي كتب السيرة أنه استمع إلى عتبة بن ربيعة حتى فرغ من كلامه، ولم يقاطعه على ما في حديثه من مساومة وإساءة، ثم سأله: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» فلما قال: نعم، بدأ النبي ﷺ جوابه.

وفي ذلك درس بليغ: تمام الإنصات ي الرد؛ فقد يتغير الحكم كله إذا سُمعت الجملة إلى نهايتها.

وإذا كان للكلام حق في أن يكتمل، فللقلوب حرمة تمنع اقتحامها. وحين ظن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن الرجل قال: «لا إله إلا الله» خوفًا من السلاح، قال له النبي ﷺ: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟» رواه مسلم.

فالناس يُؤخذون بما ظهر منهم، أما السرائر فليست ساحة لأحكام البشر؛ لأن الآذان تسمع الكلمات، لكن لا نافذة لأحد يطل منها على القلوب.

وقد يقول قائل: إن سرعة الحكم ليست دائمًا تسرعًا؛ فقد تكون فراسة صنعتها الخبرة، والانطباع الأول لا يأتي دائمًا من فراغ، كما أن بعض المواقف تحتاج إلى قرار عاجل، ولا تسمح بانتظار جميع التفاصيل.

وهذا صحيح إلى حدّ ما؛ فالخبرة قد تنبّه إلى ما لا ينتبه إليه غيرها، وقد يدعو الانطباع الأول إلى الحذر، لكنه لا يمنح الحق في الإدانة.

 الفراسة إشارة لا حكم، والانطباع الأول جرس تنبيه لا محضر اتهام.

 أما الحضور الحقيقي فتصنعه عدالة الفهم، لا سرعة الاتهام. والإنسان لا يُقرأ من مظهر، ولا من موقف، ولا من عبارة مبتورة، تمامًا كما أن الكتاب لا يُحكَم عليه من سطر واحد..

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى