كيف بنت أستراليا واحداً من أنجح الدوريات الرياضية المحلية في العالم؟

▪︎ واتس المملكة
.
تحوّل دوري كرة القدم الأسترالية (AFL) من منافسة رياضية محلية إلى جزء من الهوية الوطنية للأستراليين، مع حضور جماهيري قياسي تجاوز 8.2 مليون متفرج في موسم 2025، وأكثر من 1.4 مليون عضوية رسمية للأندية في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 27 مليون نسمة. ويعود نجاح الدوري إلى بناء ثقافة انتماء عميقة عبر الأندية بوص…
إعداد: إبراهيم الحازمي : في عالم الرياضة، تُقاس البطولات عادةً بعدد مشاهديها حول العالم، أو بحجم صفقاتها التجارية، أو بقيمة النجوم الذين يرتدون قمصان أنديتها. لكن في أقصى جنوب الكرة الأرضية، نشأت تجربة مختلفة تماماً؛ تجربة لم تنشغل بإقناع العالم بلعبة جديدة، بقدر ما نجحت أولاً في كسب مجتمعها. ومن هنا بدأت الحكاية.
كرة القدم الأسترالية، أو دوري AFL، ليست اللعبة الأكثر انتشاراً في العالم، ولا البطولة التي تستقطب أكبر عدد من الدول المشاركة، لكنها حققت ما عجزت عنه بطولات أكثر شهرة وانتشاراً؛ إذ تحولت من منافسة رياضية إلى جزء من الهوية الوطنية للأستراليين، وإلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية وثقافية يعيشها ملايين الأشخاص أسبوعاً بعد آخر.
ورغم أن عدد سكان أستراليا لا يتجاوز 27 مليون نسمة، فإن دوريها المحلي يقدم أرقاماً يصعب تجاهلها. ففي موسم 2025، حضر مباريات الموسم الاعتيادي أكثر من 8.2 مليون متفرج، وهو أعلى حضور جماهيري في تاريخ البطولة الممتد لأكثر من 128 عاماً، بمتوسط يقترب من 40 ألف متفرج للمباراة الواحدة. كما تجاوز عدد عضويات الأندية 1.4 مليون عضوية، في مؤشر يعكس عمق العلاقة بين الجماهير وأنديتها.
هذه الأرقام لا تحكي قصة بطولة ناجحة فحسب، بل تطرح سؤالاً أكبر: كيف استطاعت دولة بهذا العدد المحدود من السكان أن تبني واحدة من أكثر البطولات المحلية حضوراً وتأثيراً في العالم؟
الإجابة لا تبدأ داخل الملعب، بل تعود إلى أكثر من قرن من العمل المتواصل على بناء ثقافة رياضية راسخة، جعلت من النادي جزءاً من حياة المجتمع، ومن يوم المباراة مناسبة اجتماعية تتوارثها العائلات جيلاً بعد جيل.
من ملاعب ملبورن إلى بطولة وطنية
بدأت الحكاية عام 1897 عندما تأسس الدوري تحت اسم Victorian Football League (VFL)، مقتصراً آنذاك على أندية ولاية فيكتوريا. ومع توسع اللعبة وانتشارها في مختلف الولايات، تحولت البطولة عام 1990 إلى Australian Football League (AFL)، لتصبح المسابقة الوطنية الأولى في البلاد.
واليوم يضم الدوري 18 نادياً يمثلون مختلف الولايات الأسترالية، ويُعد من أكثر البطولات الرياضية استقراراً على مستوى الإدارة والتنظيم والتسويق.
لكن اللافت أن نجاح الـAFL لم يكن نتيجة طفرة مالية أو استقطاب أسماء عالمية، بل جاء عبر استراتيجية طويلة المدى ركزت على الاستثمار في المجتمع. فالأندية لا تقتصر أدوارها على المنافسة داخل الملعب، بل تنفذ برامج في المدارس، وتشارك في المبادرات الصحية والاجتماعية، وتدعم الرياضة النسائية، وتوفر آلاف الفرص التطوعية، حتى أصبحت بالنسبة لكثير من الأستراليين مؤسسات مجتمعية بقدر ما هي أندية رياضية.
وخلال زيارتي لعدد من مباريات الدوري هذا الموسم، بدا واضحاً أن العلاقة بين الجمهور والنادي تتجاوز حدود التشجيع. فقبل ساعات من انطلاق المباريات، تمتلئ الحدائق المحيطة بالملاعب بالعائلات، ويحمل الأطفال قمصان أنديتهم وكرات اللعبة، بينما تتحول الشوارع والمقاهي إلى امتداد طبيعي للمباراة. إنها طقوس أسبوعية تعكس مكانة اللعبة في الحياة اليومية للأستراليين، وتفسر جانباً من نجاحها المستمر.
العضوية… عقد انتماء لا مجرد تذكرة
في كثير من البطولات الرياضية، تبدأ علاقة المشجع بالنادي عند شراء تذكرة المباراة، وتنتهي مع صافرة النهاية. أما في الـAFL، فتبدأ العلاقة غالباً بالحصول على عضوية سنوية، وهي نظام يمنح المشجع أولوية شراء التذاكر، وامتيازات خاصة، وفرصة المشاركة في فعاليات النادي، لكنه قبل كل شيء يمثل إعلاناً عن الانتماء والدعم المستمر.
ولذلك، لا تُقاس قوة الأندية في أستراليا بعدد متابعيها على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، بل بعدد أعضائها المسجلين. وفي موسم 2025 تجاوزت عضويات أندية الدوري 1.4 مليون عضوية، وهو أعلى رقم في تاريخ الرياضة الأسترالية، بينما تخطت عدة أندية حاجز 100 ألف عضو، في ظاهرة تعكس ولاءً طويل الأمد أكثر من كونها متابعة مرتبطة بنتائج موسم واحد.
امتلاء المدرجات… نتيجة وليست صدفة
إذا كانت العضويات تعكس حجم الانتماء، فإن المدرجات تقدم الدليل الأوضح على نجاح هذه التجربة.
في موسم 2025، تجاوز إجمالي الحضور الجماهيري لمباريات الموسم الاعتيادي 8.2 مليون متفرج، وهو أعلى رقم في تاريخ البطولة، بمتوسط يقارب 40 ألف متفرج في المباراة الواحدة. ولا تقتصر هذه الأرقام على المباريات الكبرى، بل تمتد إلى معظم جولات الموسم، حيث تحافظ الملاعب على نسب إشغال مرتفعة حتى في المباريات التي لا تحدد مصير اللقب.
أما المشهد الأكثر لفتاً فيتكرر مع النهائي الكبير (Grand Final)، الذي يمثل الحدث الرياضي الأبرز على أجندة الرياضة الأسترالية.
ففي الأعوام الأربعة الأخيرة التي أُقيم فيها النهائي على ملعب ملبورن للكريكيت (MCG)، تجاوز الحضور حاجز 100 ألف متفرج في كل نسخة تقريباً
أما نهائي عام 2021، الذي أقيم في مدينة بيرث بسبب جائحة كوفيد-19، فقد حضره 61,118 متفرجاً، بعدما فرضت الظروف الصحية آنذاك قيوداً على الطاقة الاستيعابية للملعب.
ولا تمثل هذه الأرقام مجرد نجاح في بيع التذاكر، بل تعكس قدرة الدوري على الحفاظ على اهتمام جماهيره عاماً بعد عام، حتى في المواسم التي تغيب فيها بعض الأندية الكبيرة عن المنافسة على اللقب.
خلال زيارتي لعدد من مباريات الدوري هذا الموسم، لم يكن المشهد الأبرز داخل الملعب، بل خارجه.
قبل ساعات من صافرة البداية، تبدأ الجماهير بالتوافد إلى محيط الملاعب. تمتد الطوابير أمام متاجر الأندية، وتزدحم المقاهي والمطاعم، فيما تنتشر العائلات في الحدائق المجاورة، ويلعب الأطفال الكرة مرتدين قمصان فرقهم المفضلة.
ومع اقتراب موعد المباراة، تتحول الشوارع إلى موجة بشرية تسير باتجاه الملعب، في مشهد يتكرر كل أسبوع تقريباً.
لا يبدو الأمر وكأنه حضور لمباراة رياضية فحسب، بل أقرب إلى مناسبة اجتماعية تجمع العائلة والأصدقاء، وهو ما يفسر استمرار هذه الثقافة لعقود طويلة.
هذا الانطباع أكده سام كاري، أحد مشجعي نادي أديلايد كروز، الذي قال:
“إذا أردت أن تفهم الـAFL، فلا تبدأ بالمباراة نفسها، بل تعال إلى الملعب قبل ساعتين من انطلاقها. سترى العائلات تجلس في الحدائق، والأطفال يلعبون الكرة، والمقاهي ممتلئة بالجماهير، وآلاف الأشخاص يسيرون نحو الملعب. عندها ستدرك أن الأمر لا يتعلق بمباراة فقط، بل بأسلوب حياة يعيشه الأستراليون.”
ويضيف:
“ما يميز الـAFL أنه لم يحول الناس إلى متفرجين فقط، بل جعلهم يشعرون بأنهم جزء من النادي. من خلال المدارس، والبرامج المجتمعية، والأنشطة المحلية، يبقى النادي حاضراً في حياة الناس طوال العام، وليس خلال موسم المباريات فقط.

في كثير من البطولات العالمية، تستطيع الميزانيات الضخمة أن تصنع فارقاً هائلاً بين الأندية، فتتكرر أسماء الأبطال لسنوات طويلة، بينما تفقد جماهير الفرق الأخرى الأمل تدريجياً.
أما في الـAFL، فقد اختار القائمون على البطولة نموذجاً مختلفاً يقوم على العدالة التنافسية.
فالدوري يطبق سقفاً للرواتب يحدد الحد الأعلى لإنفاق كل نادٍ على لاعبيه، كما يعتمد نظام الدرافت (Draft) الذي يمنح الأندية الأقل ترتيباً أولوية اختيار أفضل المواهب الشابة، إضافة إلى آليات لتوزيع الإيرادات بصورة تقلل الفجوة المالية بين الأندية.
ولا يعني ذلك أن جميع الفرق تحقق النجاح نفسه، لكنه يمنح كل نادٍ فرصة حقيقية لإعادة بناء فريقه والمنافسة خلال سنوات قليلة، وهو ما يحافظ على اهتمام الجماهير بالموسم منذ بدايته وحتى نهايته.
ولهذا السبب، لا يشعر مشجعو الأندية بأن نتائج الموسم محسومة ماً، بل يدخل الجميع المنافسة وهم يؤمنون بإمكانية الوصول إلى النهائيات، وربما إحراز اللقب.
لم يعد الـAFL مجرد بطولة رياضية، بل أصبح أحد المحركات الاقتصادية المهمة في أستراليا.
فالمباريات الأسبوعية لا تعني امتلاء الملاعب فقط، بل تنعكس على الفنادق وشركات الطيران والمطاعم ووسائل النقل والمتاجر ووسائل الإعلام. وفي المدن التي تستضيف المباريات الكبرى، تتحول عطلة نهاية الأسبوع إلى موسم اقتصادي مصغر.
ويبرز هذا التأثير بصورة أوضح في Gather Round، الحدث الذي أطلقه الدوري عام 2023، ويقام في ولاية جنوب أستراليا، حيث تُلعب مباريات الجولة كاملة في أديلايد والمناطق المحيطة بها.
وفي نسخة 2025، أعلنت حكومة جنوب أستراليا أن الحدث استقطب أكثر من 314 ألف متفرج على مدار الجولة، وأسهم في تحقيق أثر اقتصادي تجاوز 90 مليون دولار أسترالي، كما امتلأت الفنادق واستقبلت الولاية عشرات الآلاف من الزوار القادمين من مختلف أنحاء البلاد.
ولم يعد نجاح البطولة يقاس بما يحدث داخل الملعب فقط، بل بما تحققه خارجه من نشاط اقتصادي وفرص عمل وتنشيط للسياحة الداخلية.
الانتماء… قبل الانتصارات
ورغم أهمية الأرقام، فإنها لا تفسر وحدها سر نجاح الدوري.
الإجابة الحقيقية تظهر عند الحديث مع الجماهير.
في إحدى مباريات هذا الموسم، تحدثت إلى جورج فورناروس، أحد مشجعي نادي كولينغوود، والذي يرى أن سر العلاقة بين الجمهور والنادي لا يرتبط بعدد البطولات.
وقال:
“يعتقد كثير من الناس أننا نحضر إلى الملعب فقط لنشاهد فريقنا يفوز، لكن الفوز ليس سوى جزء صغير من القصة. ما يجعل الجماهير تعود كل أسبوع هو شعورها بأن النادي جزء من حياتها. بالنسبة لكثير من العائلات الأسترالية، تشجيع النادي تقليد ينتقل من جيل إلى آخر، ولهذا ترى المدرجات ممتلئة حتى عندما يمر الفريق بموسم صعب.”
ويضيف:
“ما يجعل الـAFL مختلفاً هو أن علاقتك بالنادي لا تبدأ يوم المباراة ولا تنتهي مع صافرة النهاية. من خلال العضويات، والبرامج المجتمعية، وزيارات المدارس، والأنشطة المحلية، يصبح النادي جزءاً من حياة الناس اليومية، ولذلك يحتل مكانة خاصة لدى ملايين الأستراليين.

بعد أكثر من قرن على انطلاقها، لم تعد كرة القدم الأسترالية مجرد منافسة بين 18 نادياً، بل أصبحت جزءاً من الهوية الثقافية والاجتماعية لأستراليا.
فالدوري نجح في بناء قاعدة جماهيرية واسعة، وحافظ على التوازن بين الأندية، واستثمر في المجتمع، وربط الأجيال الجديدة باللعبة منذ سنواتها الأولى، حتى أصبحت العضوية إرثاً عائلياً، وأصبح يوم المباراة موعداً ثابتاً في حياة ملايين الأستراليين.
وربما تكمن خصوصية التجربة الأسترالية في أنها لم تسع إلى تقليد الدوريات الكبرى في العالم، بل بنت نموذجها الخاص، انطلاقاً من فهم عميق للمجتمع الذي تخاطبه. فبدلاً من الاعتماد على النجوم وحدهم، استثمرت في الجماهير. وبدلاً من التركيز على العائد التجاري السريع، بنت علاقة طويلة الأمد بين النادي ومحيطه.
وبالنظر إلى أرقام الحضور، والعضويات، والاستقرار التنظيمي، والأثر الاقتصادي، يصعب اعتبار ما حققه الـAFL مجرد نجاح رياضي؛ فهو تجربة متكاملة أثبتت أن بناء مجتمع حول الرياضة قد يكون الطريق الأكثر استدامة لبناء بطولة ناجحة.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq