سموُّ الروتين | سبق

▪︎ واتس المملكة

.

المقال يوضح أن التغيّر في الحياة ليس دائمًا نعمة، وأن ما نعدّه روتينًا ورتابة قد يكون في حقيقته استقرارًا يحمي أرواحنا ويشيّد في الخفاء صرح الطمأنينة. يبيّن الكاتب أن الإنسان لا يدرك قيمة نعَم الأمن والصحة والاجتماع بالأحبة إلا حين يختل هذا النسق الهادئ أو يفقد بعضها، فيكتشف أن ما كان يصفه بالملل هو…

ليس كلُّ تغيّرٍ يطرأ على حياة الإنسان نعمةً تستوجب الاحتفاء، وليس كلُّ خروجٍ عن مألوف الأيام يُعدُّ انتقالًا إلى ما هو أفضل، لأن كثيرًا من الناس يخلطون بين الرتابة والاستقرار، ويحسبون أن تكرار تفاصيل الحياة اليومية لونٌ من الملل، مع أن هذا التكرار نفسه قد يكون السياج الذي يحفظ أرواحهم من الاضطراب، والنعمة التي تظلُّ ترافقهم بصمتٍ حتى يألفوها فلا يعودوا يرونها.

إن الإنسان بطبعه يعتاد ما يدوم، حتى يغيب عن قلبه الشعور بعظمته، فيمضي من صباحٍ إلى مساءٍ وهو ينعم بالأمن، ويتقلب في العافية، ويأوي إلى بيتٍ يطمئنه، ويجتمع بمن يحب، ثم يظن أن كل ذلك أمرٌ اعتيادي لا يستحق التأمل، مع أن هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا تُحدث ضجيجًا ولا تسترعي الانتباه، هي التي تُشيّد في الخفاء صرح الطمأنينة، وتمنح الحياة اتزانها واستمرارها.

وحين يختلُّ هذا النسق الهادئ، أو تغيب نعمةٌ واحدةٌ مما اعتاده الإنسان، يدرك متأخرًا أن ما كان يصفه بالروتين لم يكن إلا رحمةً متصلةً وسترًا دائمًا؛ فكم من إنسانٍ تمنى عودة أيامٍ كان يشكو بطأها، بعدما عرف معنى الفقد، أو ذاق مرارة المرض، أو عاش قلقًا سلبه راحة قلبه، فعلم أن الهدوء ليس فراغًا، وأن ثبات الحياة قد يكون أعظم الهبات.

ولهذا فإن الحكيم لا يزدري الروتين، ولا يفرُّ منه طلبًا لكل جديد، بل ينظر إليه بوصفه سموًّا خفيًا، ورحمةً إلهيةً تتكرر كل يوم دون ضجيج، ويوقن أن أعظم النعم ليست تلك التي تدهش الأبصار، وإنما تلك التي تحفظ القلب، وتمنح النفس سكينتها، وتجعل الإنسان يعيش أيامه في أمنٍ وعافيةٍ واستقرار، فذلك هو سموُّ الروتين الذي لا يعرف قدره إلا من افتقده.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى