هل نغيّر الوجوه أم نراجع المنظومة؟ | قراءة في بوصلة الرياضة السعودية قبل 2034

▪︎ واتس المملكة

.

يؤكد المقال أنّ استقالة ياسر المسحل من رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم ليست جوهر المشكلة، بل عرض متأخر لاختلالات أعمق في منظومة الرياضة السعودية بكاملها، من المدرسة والنادي والأكاديمية حتى الاتحاد والدوري والفئات السنية والإعلام والاستثمار. ويطرح الكاتب أنّ التحدي الحقيقي ليس في تبديل الأشخاص أو اس…

بعد كل خروج مؤلم للمنتخب، نبحث سريعًا عن اسم نعلّق عليه خيبة اللحظة. رئيس اتحاد، مدرب، لاعب، قرار فني، أو تشكيلة لم تنجح.

وهذا مفهوم عاطفيًا؛ لأن كرة القدم في السعودية ليست رياضة عابرة، هي جزء من ذاكرة الناس، ومزاجهم، وأحاديثهم، وشيء من صورتهم عن وطنهم.

لكن عملياً: هذا لا يكفي!

استقالة ياسر المسحل قد تكون حدثًا لافتًا في لحظة غضب جماهيري، لكنها ليست جوهر المشكلة.

المشكلة أعمق من شخص، وأوسع من مباراة، وأطول من دورة انتخابية.

فالمنتخب السعودي أصبح نهاية القصة، قبل بدايتها.

منتخبنا هو مصبّ الشلال الأخير لكل ما يحدث قبله: المدرسة، النادي، الأكاديمية، الاتحاد، الدوري، الأداء والطب الرياضي، البيانات، الإعلام، الاستثمار، الحوكمة، الفئات السنية، وبرامج صناعة المواهب.

حين يصل الماء عكرًا إلى المصبّ، لا يُعقل أن نلقي اللوم على ذلك المصبّ قبل أن نرجع إلى المنبع.

ويتبادر حينها السؤال التالي: هل تعمل الرياضة السعودية كمنظومة واحدة؟ أم كجهات متعددة؟ هل تتحرك كل جهة باجتهادها، وميزانيتها، وأولوياتها، ومقاييس نجاحها؟

وزارة الرياضة، الاتحادات الرياضية، الأندية، رابطة دوري المحترفين، اللجنة الأولمبية والبارالمبية، أكاديمية مهد، مشاريع الخصخصة، المبادرات الرياضية، الألعاب المختلفة، الإعلام، الاستثمار، المدارس والجامعات…

كل هذه الأطراف مهمة.

لكن قبل أن نسأل: هل تعمل؟ سؤالنا الأهم: هل تعمل في اتجاه واحد؟

مشكلتنا اليوم -في تقديري- ليست نقص الدعم، فالدعم موجود وبحجم تاريخي وغير مسبوق، بشهادة أقل متابع وأصغر مشجع.

وليست نقص طموح أو قلة دافع، فالطموح السعودي أصبح نموذجاً عالميًا في مختلف المجالات.

المشكلة -بكل ألم- أن المكتسبات أقل من الدعم، والتطور أقل من التمكين، والأثر لا يوازي حجم ما قُدّم للرياضة السعودية من ثقة وفرص واستثمار -حتى الآن-.

وهذا هو المحفز الأكبر لاستشعار المسؤولية.

قبل أن نقارن أنفسنا بالمغرب، أو كرواتيا، أو اليابان، أو كوريا، أو حتى دولة قطر الشقيقة، يجب أن نقارن أنفسنا بأنفسنا.

قبل أكثر من 20 عام، كان المنتخب السعودي في موقع متقدم، و يمتلك حضورًا آسيويًا لا يُستهان به، بل حتى في رياضاتنا الفردية والمختلفة..

فما الذي كان يحدث وقتها؟

ماذا بُني في مرحلة الأمير فيصل بن فهد -رحمه الله- ونظرته الاستباقية؟

وما الذي جعلنا نملك ذاكرة إنجاز، ثم نفقد بعدها استدامة النموذج؟

هذا سؤال مزعج، لكنه أهم من سؤال: من المدرب القادم؟

ليست المشكلة بمبدأ (التعلُّم من العالم)؛ فالرياضة لا تتطور بالانغلاق.

لكن الإشكال حين يتحول التعلم إلى استنساخ متكرر بلا هوية تنافسية واضحة.

نبحث يوماً عن المدرسة البرازيلية، ومرةً نُعجب بالنموذج الفرنسي، ونتجه يوماً إلى الأجندة الإسبانية، ونستثمر يوماً بالكوادر الهولندية، وننطلق تارةً نحو التجنيس، ونبحث تكرار نموذج أكاديمية “محمد السادس”، ونتطلع إلى “أسباير” جديدة، وقد يلفتنا الأسلوب الإيطالي…

كل هذه التجارب محترمة وقابلة للاقتباس، لكن السؤال الذي يسبقها جميعًا: ما نموذجنا نحن؟

ما القيمة التنافسية السعودية في رياضتنا؟

لدينا شباب كثير، وشعبية رياضية ضخمة، ودعم حكومي غير مسبوق، وتقنية متقدمة، وثورة بيانات، ومرافق تحت الاطتمال مع الاستضافات الكبرى، وإعلام رياضي واسع التأثير، ومدارس مكتظة، وجامعات مرموقة، ورقعة جغرافية متنوعة، وفرص ريادة أعمال وخصخصة، وطموح يصل إلى كأس العالم 2034 وما بعده…

لكن هل تحولت هذه المزايا إلى استراتيجية واحدة، أم بقيت فرصًا متفرقة؟

تعلمت في مسيرتي المهنية أن المشكلة لا تظهر يوم الحدث، بل لها “إرهاصاتها” قبل ذلك بكثير، و “ليالي العيد تبان من عصاريها”!.

تظهر تلك “الإرهاصات” عندما تتداخل الأدوار، وتتباين الأولويات، وتتكرر المبادرات، وتتغير الخطط بتغير الأشخاص، وتُستورد المقارنات المرجعية دون تمكين حقيقي لنقاط القوة المحلية.

وحين نملك الاستراتيجية على الورق، لكن المنفّذ لا يستوعبها -فضلاً عن تطبيقها-.

وحين تتسع الفجوة بين العرض التقديمي والميدان، و بين المؤشر والأثر، و بين المشروع و” المُنتَج” الذي يجب أن يصل بجاهزية ذهنيّة وصحيّة وفنية واحترافية.

لذلك أقول -بكل وضوح-:

استقالة ياسر المسحل لا تكفي، إلا إذا كانت بداية لمراجعة أعمق.

لا تكفي، إلا إذا اجتمعت الجهات الرياضية ذات العلاقة على طاولة واحدة لصياغة استراتيجية القطاع الرياضي حتى 2034.

ولا تكفي إلا إذا عرف كل طرف دوره بدقة: من يكتشف الموهبة؟ من يطورها؟ من يقيس تقدمها؟ من يحميها طبيًا؟ من يمنحها دقائق لعب؟ من يربطها بالمدرسة والنادي والمنتخب؟ من يحاسب على تعثرها؟ ومن يملك قرار استمرار النموذج مهما تغيرت الأسماء؟

ولا تكفي إلا إذا أُعلنت الاستراتيجية بوضوح، وتحولت إلى خطط عمل لكل جهة.

ولا تكفي إلا إذا أصبح السؤال اليومي: ما الأثر المُحقَّق؟ لا: كم مبادرة أطلقنا؟ ولا: كم اجتماعًا عقدنا؟ ولا: كم تقريرًا رفعنا؟ بل: كم موهبة اكتشفنا؟ كم لاعبًا طورنا؟ كم مشروعًا تحوّل إلى واقع؟ كم قرارًا أصلح خط الإنتاج؟ وكم جهة معنيّة صارت تعمل باتجاه واحدة؟

الرياضة السعودية لا ينقصها الحلم، ولا الدعم، ولا الجمهور، ولا الرغبة. الذي نحتاجه الآن هو أن يتحول كل ذلك إلى منظومة واحدة، تعرف أين تذهب، ولماذا تذهب، وكيف تقيس أثر ذلك المسير.

المنتخب لا يفشل وحده .. هو فقط يكشف ما قبله!

استقالة ياسر المسحل لا تكفي: لأن المنتخب ليس المشكلة… بل آخر أعراضها

فهل نغيّر الوجوه أم نراجع المنظومة؟

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى