خديعة الحب | سبق

▪︎ واتس المملكة

.

يرى المقال أن ما نسمّيه “حبًّا” هو في جوهره انعكاس لحبّ الإنسان لذاته، ومحاولة لسدّ نقصٍ وجودي عبر ما يمنحه الآخر من إشباع عاطفي وراحة نفسية، لا اعترافاً به ككينونة مستقلة. يوضّح الكاتب أنّ العلاقة العاطفية تقوم على “منفعة نفسية” غير معلنة، تنهار متى توقّف الطرف الآخر عن أداء دوره كمصدر للإمداد الوج…

تتجلى النفس البشرية في متاهات أهوائها ككيانٍ نهمٍ لا يفتأ يبحث عن صورته المنعكسة في الآخر، إذ يغدو الحب، في جوهره الفلسفي، أداة إسقاط لا اعترافاً بالآخر لذاته.

فما نُطلق عليه “حباً” ليس سوى محاولةٍ لاستكمال النقص الوجودي الذي يعتري الذات؛ فنحن لا نعشق الإنسان، ولا نرتبط بالشريك بوصفه كينونة مستقلة، بل نعشق “حالة” وجودنا في حضرته، وما يمنحه وجوده لنا من امتلاءٍ عاطفي، وإشباعٍ وجداني، وتخديرٍ لمخاوفنا الجوهرية من الوحدة والعدم.

وعليه، فإن هذا التعلق الذي نُسميه “حباً” يخضع لمنطق النفعية النفسية؛

حيث يُبنى كل إعجاب أو ارتباط على “عقدٍ ضمني” غير مرئي، قوامه المقايضة الشعورية. إن الشخص لا ينجذب إلى الآخر لشخصه المجرد، بل لما يُحدثه هذا الآخر من صدىً يغذي “الأنا” ويشبع رغباتها الدفينة؛ فالمحب هو في الحقيقة مُحبٌ لذاته من خلال وسيط، يبحث في الآخر عن مرآةٍ تعكس كماله الموهوم، أو عن مساحةٍ يفرغ فيها تراكماته العاطفية، مما يجعل الحب رهناً بقدرة الطرف الآخر على البقاء مصدراً لهذا الإمداد النفسي.

هذه الطبيعة البشرية النفعية تحول المشاعر إلى كائنٍ حيٍ يتنفس بقدر ما يُغذى، فإذا ما تعطلت ماكينة الإشباع، أو خفتت قدرة الطرف الآخر على سد الفجوات الوجدانية، بدأت قلاع الحب بالتداعي. إن خيبة الأمل التي تعقب انقطاع العطاء ليست سوى اصطدامٍ بالواقع بعد انقشاع غبار الإسقاطات، حيث يدرك المرء فجأة أن موضوع حبه لم يعد يؤدي وظيفته التي أُنشئ من أجلها، فتتحول العاطفة من فيضٍ جارٍ إلى جفاءٍ بارد، أو استياءٍ مرير ينم عن حقيقة أن الحب كان مجرد صدىً لاحتياجٍ لم يُلبَّ.

ختاماً، إن تحول مشاعر الحب ليس خيانةً للعهد أو ضعفاً في الوفاء، بل هو الامتثال الحتمي لقانون التوازن في النفس الإنسانية؛ إذ لا يمكن للعاطفة أن تقتات على الفراغ. ففي اللحظة التي يفقد فيها “الآخر” قيمته الوظيفية كـ “مانحٍ” للراحة النفسية، يسقط القناع عن وهم الحب الخالص، لنكتشف أننا كنا نحب في الآخرين قدرتنا على الاستمتاع بوجودهم، لا وجودهم ذاته، مما يجعل دوام المودة مرهوناً دائماً ببقاء معادلة

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى