نظام الطيبات.. بين الوعود والمخاطر الصحية

▪︎ واتس المملكة
.
يحذّر المقال من الانسياق وراء ما يسمى بـ”نظام الطيبات” وغيره من الأنظمة الرائجة التي تنتشر عبر مقاطع قصيرة وتجارب شخصية دون سند علمي، خاصة عندما تدفع بعض المرضى إلى إيقاف أدويتهم أو استبدالها بأنظمة غذائية غير مثبتة. وتؤكد وزارة الصحة عدم وجود أدلة علمية كافية تدعم هذا النظام كبديل لعلاجات الأمراض ا…
في كل عصر تظهر أفكار تعد الناس بالحلول السريعة، وكلما اشتدت حاجة الإنسان إلى الشفاء أو خسارة الوزن، ازداد استعداده لتصديق أي طريق يبدو أقصر من غيره. وحين يلتقي الأمل بالخوف، يصبح العقل أحيانًا أقل قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.
هذا ما يحدث اليوم مع ما يعرف بـ”نظام الطيبات”، الذي تحول في فترة وجيزة إلى حديث متداول على منصات التواصل الاجتماعي، بين من يرويه كتجربة شخصية، ومن يقدمه وكأنه علاج شامل لمشكلات صحية متعددة.
لكن الطب لا يبنى على القصص الفردية، ولا على عدد المشاهدات أو المشاركات، وإنما على الأدلة الطبية والدراسات السريرية التي تثبت السلامة والفاعلية قبل أن تمنح أي نظام غذائي أو علاجي صفة الاعتماد. فالإنسان بطبيعته ينجذب إلى الطريق الأسرع، حتى لو كان الثمن صحته، ولهذا تنتشر الوعود الكبيرة أسرع من الحقائق العلمية.
المفارقة أن البعض لم يناقش الأدلة، ولم ينتظر رأي المختصين، بل اكتفى بمقطع فيديو أو تجربة شخص، ثم قرر أن يمنح ثقته لما شاهده على شاشة هاتفه أكثر مما منحها للمؤسسات الصحية التي تعمل لحماية المجتمع.
هنا لا يدور الحديث عن نظام غذائي فحسب، بل عن سؤال أكبر: متى أصبحت المقاطع القصيرة أكثر إقناعًا من الطب المبني على الأدلة؟ ومتى أصبح عدد المشاهدات معيارًا للحقيقة؟
المشكلة ليست في أن يبحث الإنسان عن وسيلة لتحسين صحته، بل في أن يتحول البحث إلى قناعة مطلقة تدفع البعض إلى ترك الأدوية، أو تجاهل نصائح الأطباء، أو تطبيق أنظمة غذائية قاسية دون إشراف طبي. هنا لا يعود الأمر مجرد تجربة شخصية، بل يصبح خطرًا قد تكون عواقبه أكبر من المشكلة التي يسعى الإنسان إلى علاجها.
وتزداد الخطورة عندما تدفع الادعاءات المتداولة بعض مرضى الأمراض المزمنة، وفي مقدمتهم مرضى السكري، إلى الاعتقاد بأن الأنظمة الغذائية وحدها قد تغني عن العلاج الموصوف. وقد حذرت وزارة الصحة من الانسياق وراء الادعاءات العلاجية المتداولة بشأن “نظام الطيبات”، مؤكدة أنها رصدت حالات استدعت العناية المركزة بعد التوقف عن الأنسولين والاعتماد على أنظمة غذائية غير مثبتة علميًا. كما شددت على أنه لا توجد أدلة علمية كافية تدعم استخدام “نظام الطيبات” بديلًا عن العلاجات الموصوفة للأمراض المزمنة، وأن إيقاف أدوية السكري أو خفض جرعاتها دون استشارة طبية قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.
وما يزيد المشهد خطورة أن كثيرًا من الأنظمة الرائجة تعتمد على نتائج سريعة لإقناع الناس، بينما يغيب الحديث عن الآثار الجانبية، أو الحالات التي لم تحقق أي فائدة، أو الأشخاص الذين تعرضوا لعواقب صحية مؤلمة. فالنجاح الحقيقي لأي نظام صحي يقاس بما تثبته الدراسات، لا بما يروى في المقاطع القصيرة.
ولا تتوقف المخاطر عند مرضى الأمراض المزمنة، فحتى الأصحاء قد يواجهون آثارًا صحية نتيجة حرمان أجسامهم من عناصر غذائية أساسية، وهو ما يؤكد أن أي نظام غذائي متطرف قد يحمل مخاطر لا تظهر إلا بمرور الوقت.
قد ينخفض الوزن مع أي نظام شديد القسوة، لكن انخفاض الرقم على الميزان لا يعني بالضرورة تحسن الصحة. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بسرعة خسارة الكيلوغرامات، وإنما بسلامة الجسم واستدامة النتائج، وهذا ما تؤكده المراجع الطبية في أنحاء العالم.
وفي المملكة العربية السعودية، تمثل حماية صحة الإنسان أولوية لا تقبل المجازفة، لذلك تأتي التحذيرات من الممارسات الصحية غير المثبتة علميًا، أو من اتباع أنظمة غذائية دون إشراف طبي، بهدف تعزيز الوعي والوقاية من المخاطر قبل وقوعها. فهذه التحذيرات لا تصدر لمجرد الاختلاف مع رأي أو تجربة، بل انطلاقًا من مسؤولية حماية المجتمع، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى الأدلة الطبية الموثوقة.
ما يثير القلق ليس انتشار ما يسمى “نظام الطيبات” وحده، بل استعداد البعض لتجاهل الرأي العلمي بمجرد ظهور شخص يتحدث بثقة أمام الكاميرا. فالثقة يجب أن تبنى على المعرفة، لا على الكاريزما، وعلى الدليل، لا على كثرة المشاركات.
إن من حق أي إنسان أن يبحث عن حياة أكثر صحة، لكن ليس من الحكمة أن يجعل جسده حقلًا للتجارب، أو أن يستبدل رأي الطبيب برأي صانع محتوى. فالمعلومة الطبية ليست وجهة نظر، بل مسؤولية قد يترتب عليها صحة إنسان أو حياته.
ختام ما أقول.. تبقى صحة الإنسان أغلى من أن تكون ساحة للتجارب، وأكبر من أن تقاد بترند عابر. فالحقائق الطبية لا تتغير بعدد المشاهدات، ولا تمنحها منصات التواصل صفة الصحة أو الموثوقية.
ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل: إذا كنا لا نثق في مؤسساتنا الصحية عندما تحذرنا، فبمن نثق إذًا؟ إن قوة المجتمع لا تقاس فقط بالثقة في مؤسساته، بل بقدرته على التمييز بين المعلومة الموثقة، والادعاء الذي يصنعه الترند. فحين يتقدم الدليل، ينتصر المجتمع، وحين يتقدم الوهم، يدفع الجميع الثمن.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq