رماد العشوائية وفجر الاحتراف | سبق

▪︎ واتس المملكة

.

يحمّل المقال القرارات الارتجالية والتركيز على بريق الدوري واستقطاب النجوم الأجانب مسؤولية تراجع المنتخب السعودي، نتيجة تهميش تطوير اللاعب المحلي وتراجع دقائق مشاركته وغياب معايير اختيار صارمة. ويستعرض نماذج اليابان وكوريا الجنوبية والمغرب التي بنت نجاحها عبر خطط طويلة المدى، وأكاديميات علمية، ورعاية…

“ليال العيد تبان من عصاريها”، هكذا يختصر الموروث الشعبي حكايات الخواتيم من بداياتها، وهكذا تجلى المشهد الرياضي لمنتخبنا الوطني؛ خروجًا مريرًا لم يكن وليد الصدفة، بل نتاجًا حتميًا لقرارات ارتجالية تخبطت في عشوائيتها، وضلت طريق التخطيط الاستراتيجي المستدام. لقد انشغلنا ببريق الواجهة وبناء سمعة دوري جاذب للأضواء، وتناسينا في غمرة ذلك صياغة وتطوير اللاعب السعودي الذي يمتلك ملامح وعقلية المحترف الحقيقي، فكانت النتيجة ملاعب تضج بالنجوم الوافدين، ومنتخبًا ينزف هويته الفنية والبدنية في المحافل الدولية نتيجة تراجع دقائق اللعب للمحليين، وغياب معايير الاختيار الصارمة المبنية على الجاهزية المستمرة لا النجومية الزائفة.

إن صناعة المجد الكروي لا تُشترى بالحلول المؤقتة ولا بالظهور الإعلامي البراق، بل تُؤسس في دهاليز الفئات السنية ومراكز التطوير العلمية، وهو ما تثبته تجارب أمم صاغت تفوقها بالصبر والمنطق الرياضي؛ حيث وضع كوكب اليابان خطة مئوية صامتة، ركزت على غرس الاحترافية كمنهج حياة في لاعبيه منذ الطفولة، حتى بات “الساموراي” يفكك شفرات أعتى المنتخبات العالمية بفضل الانضباط التكتيكي والسرعة، دون أن يستند على بهرج التمويل اللحظي. وعلى ذات النهج سارت كوريا الجنوبية التي مزجت بين الصلابة البدنية والذهنية الاحترافية، فصنعت جيلًا لا يهاب القوى العظمى في عالم المستديرة، وغدت رقمًا صعبًا وثابتًا في المونديال، في حين يقف النموذج المغربي المعاصر كشاهد إثبات قريب على أن النهضة تنطلق من رعاية المواهب المحلية في أكاديميات علمية دقيقة كأكاديمية محمد السادس، بالتوازي مع رؤية ذكية في استقطاب واحتضان الطيور المهاجرة في الملاعب الأوروبية، ليثمر هذا المزيج ملحمة تاريخية قارعوا فيها كبار الأرض وكسروا بها جدار المستحيل.

ولكي يستعيد الأخضر هيبته ويتحول هذا الواقع إلى مستقبل مشرق، لا بد من صياغة ثورة تصحيحية شاملة تطال عقلية اللاعب وبنية المنظومة الإدارية على حد سواء؛ إذ يبدأ التغيير الحقيقي من تفعيل برامج الابتعاث المبكر للمواهب الناشئة لمعايشة البيئات الأوروبية الصارمة، وفرض دقائق لعب دنيا للمحليين في الدوري لانتشالهم من مقاعد البدلاء، مع ضرورة خصخصة قطاع الفئات السنية وفصله عن الإدارات الجماهيرية ليدار بعقلية استثمارية بحتة. هذا التحول التنظيمي يجب أن يوازيه جهد جاد لإعادة صياغة الفكر الاحترافي ليكون وظيفيًا وقانونيًا يعتمد على الانضباط، والنوم، والتغذية السليمة، مدعومًا بإعداد نفسي مكثف لرفع المرونة الذهنية للاعب وقدرته على تحمل الضغوط، ودفع مالي واقعي عبر تخفيض سقف الأجور المحلية لتشجيعه على مغادرة منطقة الراحة والبحث عن تحديات الاحتراف الخارجي.

وعلى الضفة الأخرى، تلتزم المنظومة الإدارية الرياضية بهيكلة صفوفها عبر تأسيس إدارات فنية مستقلة تسلم لخبراء يمتلكون مشاريع استراتيجية طويلة المدى بعيدًا عن العواطف، وربط الدعم المالي للأندية بمدى قدرتها على إنتاج وتصدير المواهب، مع حوكمة القرارات لمنع الارتجال والعشوائية في تغيير الأجهزة الفنية، وبناء شبكة كشافين وطنية رقمية متطورة تلتقط المبدعين من المدارس والأحياء. وحين ندرك في رياضتنا أن بناء الإنسان الممارس يسبق تشييد الواجهات، وأن الملعب يحتاج إلى تضحية الفرد من أجل المجموع وعقلية تنشد التطور اليومي، حينها فقط سنشهد فجرًا جديدًا للأخضر، يعود فيه بطلًا يهابه الكبار، لا مجرد متابع لليالٍ تصنع تفاصيلها سواعد الآخرين.

شاكر هاشم محجوب

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى