الاكتتابات سرقت أحلام المستثمرين | سبق

▪︎ واتس المملكة
.
تحولت بعض الاكتتابات في سوق الأسهم من فرصة استثمارية إلى مصدر خسائر وقلق لصغار المستثمرين، مع تداول عدد من الأسهم دون سعر الاكتتاب وتجمّد مليارات الريالات في شركات خابت توقعاتها بعد الإدراج. يطرح المقال تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من الاكتتابات، ومسؤولية كبار الملاك ومجالس الإدارات والجهات الرقابية…
لم تعد الاكتتابات في سوق الأسهم مجرد فرصة استثمارية كما كانت تُسوَّق للمستثمرين، بل أصبحت في كثير من الأحيان مصدر قلق وخسائر لشريحة واسعة من صغار المستثمرين الذين دخلوا السوق بأحلام كبيرة، ليجدوا أنفسهم بعد أشهر قليلة أمام أسهم تتداول دون سعر الاكتتاب.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من المستفيد الحقيقي من هذه الاكتتابات؟
عندما تطرح شركة جزءاً من أسهمها للاكتتاب، فإن كبار الملاك يحققون مكاسب مباشرة تتمثل في رفع القيمة السوقية لثرواتهم وتسييل جزء من ملكياتهم أو تمويل توسعاتهم المستقبلية. لكن ماذا عن المستثمر الصغير الذي وثق في نشرة الإصدار والتقييمات والتوقعات المعلنة؟ من يحميه عندما يتحول السهم بعد الإدراج إلى رحلة هبوط طويلة؟
شهد السوق نماذج لا تزال عالقة في ذاكرة المستثمرين، مثل ريدان وسنومي والمعجل وغيرها من الشركات التي تحولت قصصها إلى دروس قاسية. فالكثير ممن اكتتبوا فيها دخلوا على أمل تحقيق عائد مجزٍ، لكنهم وجدوا أنفسهم يحملون أسهماً فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها.
الأمر لا يتعلق بخسائر فردية فقط، بل بتأثير اقتصادي أوسع. فالاكتتابات المتتالية تسحب مليارات الريالات من السوق، ثم تتجمد هذه السيولة عندما تتراجع أسعار الأسهم الجديدة، فينخفض النشاط الاستثماري وتتقلص شهية المتعاملين للمخاطرة. والنتيجة النهائية هي سوق أضعف وثقة أقل.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا توجد آلية تلزم كبار الملاك أو مجالس الإدارات بالتدخل عندما يهبط السهم إلى ما دون سعر الاكتتاب بسبب ضعف الإدارة أو عدم تحقيق الوعود والخطط التي بُني عليها التقييم؟ فالمستثمر الصغير يتحمل كامل المخاطرة، بينما لا يتحمل الطرف الآخر سوى جزء محدود من المسؤولية.
ولا يعني ذلك أن جميع الاكتتابات سيئة، فهناك شركات ناجحة تمتلك خططاً استراتيجية حقيقية وتحتاج إلى التمويل للنمو والتوسع. لكن النجاح لا يتحقق بمجرد الإدراج. فاختيار توقيت الطرح لا يقل أهمية عن جودة الشركة نفسها. فطرح شركة جيدة في سوق يعاني شح السيولة أو ضعف الشهية الاستثمارية قد يؤدي إلى خسائر للمستثمرين وتشويه سمعة الشركة وملاكها، رغم جودة نشاطها.
لذلك فإن بعض الشركات تحتاج إلى التريث، ودراسة ظروف السوق بعناية، وانتظار الوقت المناسب الذي يضمن تحقيق قيمة عادلة للشركة ويحافظ على حقوق المستثمرين. فالإدراج ليس سباقاً للوصول إلى السوق، بل مسؤولية تجاه المساهمين الحاليين والمستقبليين.
كما أن هناك ظاهرة تستحق التوقف عندها؛ فبعض الشركات تدخل السوق وهي تعلن عن مستويات ربحية جيدة، لكن المفاجأة تأتي بعد الإدراج مباشرة عندما تبدأ الأرباح بالتراجع أو تتحول النتائج إلى خسائر. هنا يصبح من حق المستثمر أن يتساءل: هل كان التقييم عادلاً؟ وهل كانت الصورة المعروضة للمستثمرين تعكس الواقع بالكامل؟
هذا التساؤل يجب ألا يبقى بلا إجابة. فالجهات الرقابية مطالبة بمتابعة أداء الشركات بعد الإدراج، وعند رصد أي تدهور غير مبرر أو اختلاف جوهري بين الواقع والتوقعات التي بُني عليها الاكتتاب، يجب أن يبدأ التحقيق فوراً قبل أن تتفاقم المشكلة وتتآكل الثقة بالسوق.
إن نجاح سوق المال لا يقاس بعدد الاكتتابات المطروحة، بل بقدرته على حماية المستثمرين وتعزيز الثقة واستقطاب السيولة طويلة الأجل. أما إذا استمرت بعض الاكتتابات في تحويل أحلام المستثمرين إلى خسائر متراكمة، فإن الخطر الحقيقي لن يكون على المحافظ الاستثمارية فقط، بل على ثقة المجتمع بأكمله في السوق المالية.
فالسوق يحتاج إلى شركات ناجحة تبني الثروة، لا إلى اكتتابات تسرق الأحلام.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq