ما بعد الفضفضة | سبق

▪︎ واتس المملكة

.

يؤكّد المقال أن “الفضفضة” أو الإفصاح الانفعالي يمكن أن يخفّف من وطأة الضغوط ويساعد على تنظيم المشاعر وفهم التجربة، لكنه ليس علاجاً قائماً بذاته ولا يحقق الأثر نفسه في كل المواقف. يوضح أن جدوى التعبير عن المشاعر ترتبط بطريقة التعبير، وهدفه، واختيار الشخص والوقت المناسبين، وما يتبعه من فهم وخطوات عملي…

هناك مشاعر لا تحتاج إلى تفسير بقدر ما تحتاج إلى مساحة. فحين يضيق صدر الإنسان، يبحث بطريقته عن شيء يخفف هذا الثقل؛ قد يجلس مع صديق يثق به، أو يكتب ما يعتمل في داخله على ورقة، أو يبكي بصمت، أو يختار أن يمشي وحده حتى تهدأ أفكاره. ولعل اختلاف هذه الطرق يذكرنا بحقيقة بسيطة، وهي أن الإنسان لا يتعامل مع انفعالاته بالطريقة نفسها دائماً.

ومع ازدياد الحديث في السنوات الأخيرة عن أهمية “الفضفضة”، وانتشار الرسائل التي تدعو إلى إخراج كل ما بداخلنا، أصبح التعبير عن المشاعر يُقدَّم أحياناً وكأنه الطريق الوحيد نحو الراحة النفسية. لكن هل يكفي أن نتحدث عما نشعر به حتى نتعافى؟ أم أن الأمر أكثر تعقيداً من مجرد إخراج ما في داخلنا؟

ولأن كثيراً من المفاهيم النفسية يعرفها الناس بأسمائها الشائعة أكثر من مصطلحاتها العلمية، فمن المفيد أن نتوقف قليلاً عند ما يعرفه الناس بالفضفضة. ففي علم النفس يندرج هذا الأسلوب ضمن مفهوم يُعرف بـ الإفصاح الانفعالي (Emotional Disclosure)، وهو أحد أشكال التفريغ الانفعالي، ويشير إلى تعبير الإنسان عن خبراته المؤلمة بالكلام، أو الكتابة، أو غيرها من وسائل التعبير. ومن أبرز من تناول هذا المفهوم بالدراسة عالم النفس الأمريكي جيمس دبليو بينيبيكر (James W. Pennebaker)، الذي كرّس جانباً من أبحاثه لفهم أثر الإفصاح الانفعالي في التعامل مع الضغوط النفسية. وتشير هذه الأبحاث إلى أن التعبير عن الانفعالات قد يخفف من وطأة الضغوط، ويسهم في تنظيم الخبرات الانفعالية، لكنه لا يُعد علاجاً قائماً بذاته، ولا يحقق الأثر نفسه في جميع المواقف.

وهذا لا يعني أن الإنسان يستطيع، أو ينبغي له، أن يحتفظ بكل ما يمر به داخله. فهناك ظروف حياتية قاسية، مثل فقدان شخص عزيز، أو التعرض لصدمة، أو ضغوط مستمرة، أو أزمات تتجاوز قدرة الإنسان على الاحتمال، يصبح فيها التعبير عن المشاعر جزءًا مهمًا من استعادة الاتزان النفسي. فالحديث مع شخص موثوق، أو الكتابة، أو طلب الدعم النفسي، قد يساعد على تخفيف العبء، ويمنح الإنسان مساحة لفهم تجربته، واستعادة شيء من اتزانه. وفي أحيان كثيرة، لا تكمن قيمة الحديث في التنفيس عن المشاعر فحسب، بل في أنه يساعد الإنسان على رؤية الموقف من زوايا لم يكن منتبهاً لها وهو يعيش تفاصيله. فحين يشارك ما يمر به مع شخص يجيد الإصغاء، أو يطرح أسئلة تساعده على التأمل، قد يكتشف معاني أو حلولاً لم تكن واضحة له من قبل. ومع ذلك، فإن الاعتراف بأهمية التفريغ الانفعالي لا يعني أن جميع صوره تؤدي الغاية نفسها. فالفارق لا يكمن في التعبير وحده، بل في الطريقة التي يتم بها، والغاية منه، وما يحدث بعده.

وتتضح هذه الفكرة بصورة أكبر حين نتأمل بعض المواقف التي نصادفها في حياتنا اليومية. فقد يروي شخص مشكلته لصديق واحد يثق به، فيخرج من الحديث أكثر هدوءاً ووضوحاً، بينما يكرر شخص آخر القصة نفسها مع كل من يقابله، ويشعر بالارتياح في كل مرة، ثم يعود بعد أيام ليبحث عن مستمع جديد، لأن شيئاً في داخله لم يتغير. ولعل هذا ما يفسر عبارات نسمعها كثيراً، مثل.. “أنا ما أخلي شيء بقلبي”. وقد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى دليلاً على الصحة النفسية، لكنها لا تخبرنا شيئاً عن الكيفية التي يعبّر بها الإنسان عن نفسه، ولا مع من، ولا عن الأثر الذي يتركه هذا التعبير في حياته وعلاقاته.

وعلى الجانب الآخر قد يختار آخر أن يؤجل الحديث حتى تهدأ انفعالاته، أو يدوّن ما يشعر به قبل أن يشاركه مع غيره، فيكتشف أن رؤيته للموقف أصبحت أكثر اتزاناً. وقد يظن بعض الناس أن مجرد الحديث مع أي شخص، أو مشاركة كل ما يمرون به، هو الطريق الأمثل لتجنب كبت مشاعرهم، بينما يكون اختيار الشخص المناسب، والوقت المناسب، جزءاً لا يقل أهمية عن التعبير نفسه.

وهنا تبرز نقطة قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع فرقاً كبيراً بين التفريغ الذي يساعد الإنسان، والتفريغ الذي قد يبقيه عالقاً في معاناته. فالتفريغ الانفعالي الصحي لا يقتصر على التخلص مما نشعر به، بل يساعدنا على فهم ما نمر به، وتنظيم انفعالاتنا، واختيار ما يناسبنا من خطوات بعد ذلك. أما حين يتحول إلى تكرار للمشكلة دون اقتراب من فهمها، أو يصبح الوسيلة الوحيدة لمواجهة كل ضيق، أو يدفع الإنسان إلى مشاركة تفاصيل حياته مع الجميع، فإنه يفقد جانباً مهماً من أثره.

وإذا كان الإفراط في الفضفضة لا يعني دائماً تعافياً، فإن الطرف الآخر من الصورة لا يقل أهمية. فقلة الكلام لا تعني بالضرورة أن الإنسان يكبت انفعالاته. فبعض الناس يحتاجون إلى وقت قبل الحديث، وبعضهم يجد في الكتابة، أو المشي، أو التأمل، أو الصلاة مساحة أكثر ملاءمة لاستيعاب ما يمر به. لذلك، فإن الصمت ليس دليلاً كافياً على الكتمان، كما أن كثرة الحديث ليست دليلاً على التعافي.

وربما يقودنا كل ذلك إلى إعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها علاقتنا بانفعالاتنا. فالمشكلة ليست في الفضفضة نفسها، فهي حاجة إنسانية طبيعية، وقد تكون الخطوة الأولى في رحلة التعافي. لكن المشكلة تبدأ حين نختزل الصحة النفسية في مجرد إخراج ما بداخلنا، ونغفل أن التعافي لا يتحقق بالتعبير وحده، بل بما يتبعه من فهم، ووعي، واختيار للطريقة التي تساعدنا على المضي قدماً.

فليست كل المشاعر تحتاج إلى أن تُقال فوراً، وليست كل الفضفضة تقود إلى التعافي. وما يصنع الفرق في النهاية ليس مقدار ما نخرجه من داخلنا، بل مقدار ما نفهمه مما نشعر به، وكيف نحول هذا الفهم إلى خطوات تساعدنا على التعافي والنمو.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى