حرب الفوكلاند تعود.. 74 يومًا من الدم والموت تشعل موقعة الأرجنتين وإنجلترا.. ما القصة؟

▪︎ واتس المملكة

.

تسلّط المواجهة المرتقبة بين الأرجنتين وإنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026 الضوء من جديد على واحدة من أعقد الخصومات في تاريخ كرة القدم، الممتدة جذورها إلى حرب الفوكلاند عام 1982 وما خلّفته من جراح سياسية ووطنية عميقة. فمن حرب استمرت 74 يومًا بين البلدين، إلى مباراة “هدف القرن” لمارادونا في مونديال…

مع اقتراب المواجهة المرتقبة بين الأرجنتين وإنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الخصومات تعقيدًا في تاريخ كرة القدم، إذ لا تستمد المباراة أهميتها من قيمة المنتخبين أو الرهان الكبير على بلوغ النهائي فحسب، بل من تاريخ طويل تجاوز حدود المستطيل الأخضر، وارتبط بحرب حقيقية خاضها البلدان قبل أكثر من أربعة عقود على مجموعة من الجزر النائية في جنوب المحيط الأطلسي.

فحين يلتقي المنتخبان من جديد في واحدة من أكبر مباريات المونديال، سيكون من الصعب تجاهل حرب الفوكلاند التي اندلعت عام 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا، وتركت مئات القتلى وجرحًا عميقًا في الذاكرة الوطنية الأرجنتينية، قبل أن تنتقل ظلالها بعد أربع سنوات فقط إلى كأس العالم 1986، في المباراة التي صنع خلالها دييغو مارادونا اثنين من أشهر الأهداف في تاريخ كرة القدم.

جزر صغيرة أشعلت حربًا كبيرة
وتقع جزر الفوكلاند، التي تطلق عليها الأرجنتين اسم “مالفيناس”، في جنوب المحيط الأطلسي على بعد نحو 500 كيلومتر من الساحل الأرجنتيني، وتخضع للسيطرة البريطانية منذ عام 1833، فيما تتمسك بوينس آيرس بمطالبتها بالسيادة عليها، معتبرة أنها جزء من أراضيها انتزعته بريطانيا خلال حقبة التوسع الاستعماري.

وظل الخلاف حول الجزر قائمًا لعقود في الإطار السياسي والدبلوماسي، قبل أن يتحول في الثاني من أبريل عام 1982 إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، بعدما سيطرت القوات الأرجنتينية على الجزر في عملية حظيت حينها بتأييد شعبي واسع داخل البلاد، في وقت كان فيه المجلس العسكري الحاكم يواجه أزمة اقتصادية واضطرابات داخلية متزايدة.

ولم تقبل بريطانيا بالأمر الواقع الجديد، إذ قررت رئيسة الوزراء آنذاك مارغريت تاتشر إرسال قوة عسكرية ضخمة عبر آلاف الكيلومترات من المحيط الأطلسي لاستعادة الجزر، لتبدأ واحدة من أبرز الحروب في النصف الثاني من القرن العشرين، رغم قصر مدتها وموقعها البعيد عن مراكز الصراع التقليدية في العالم.

معارك دامية في جنوب الأطلسي
وشهدت الحرب مواجهات بحرية وجوية وبرية عنيفة، كان من أبرزها إغراق الغواصة البريطانية “إتش إم إس كونكرر” الطراد الأرجنتيني “الجنرال بلغرانو” في الثاني من مايو 1982، في ضربة أسفرت عن مقتل 323 من أفراد طاقمه، وهو ما يمثل قرابة نصف إجمالي الخسائر البشرية التي تكبدتها الأرجنتين طوال الحرب.

وبعد يومين فقط، ردت القوات الأرجنتينية بضربة مؤلمة عندما أصاب صاروخ فرنسي الصنع من طراز “إكزوسيت” المدمرة البريطانية “إتش إم إس شيفيلد”، ما أدى إلى مقتل 20 من أفراد طاقمها.

واستمرت المواجهات وسط ظروف مناخية شديدة القسوة، فيما تعرضت السفن البريطانية لهجمات متكررة من الطائرات الأرجنتينية التي كانت تحلق على ارتفاعات منخفضة، قبل أن تنجح القوات البريطانية في إنزال قواتها على الجزر والتقدم نحو العاصمة ستانلي، لتنتهي الحرب في 14 يونيو 1982 باستسلام القوات الأرجنتينية بعد 74 يومًا من القتال.

وأسفرت الحرب عن مقتل 649 عسكريًا أرجنتينيًا و255 عسكريًا بريطانيًا، إضافة إلى ثلاثة مدنيين من سكان الجزر، فيما أحدثت نتائجها تحولات سياسية كبيرة في البلدين؛ إذ عزز الانتصار موقع تاتشر في بريطانيا، بينما شكلت الهزيمة ضربة قوية للمجلس العسكري في الأرجنتين وأسهمت في تسريع سقوطه والعودة إلى الحكم الديمقراطي.

ورغم توقف نيران المدافع والبارود، فإن النزاع السياسي لم ينتهِ، إذ واصلت الأرجنتين مطالبتها بالسيادة على الجزر، وظلت “مالفيناس” حاضرة بقوة في الذاكرة الوطنية والخطاب السياسي الأرجنتيني، لتبقى الحرب واحدة من أكثر الأحداث حساسية في تاريخ البلاد الحديث.

ظلال الحرب تنتقل إلى المونديال
وبعد أربعة أعوام فقط من نهاية الحرب، جمع القدر الخصمان الأرجنتين وإنجلترا في ربع نهائي كأس العالم 1986، في مواجهة كان من الصعب فصلها عن السياق السياسي والتاريخي الذيها، خصوصًا أن ذكريات القتال والخسائر البشرية كانت لا تزال حاضرة بقوة لدى الشعبين.

وفي تلك المباراة، كتب دييغو مارادونا الفصل الأشهر في تاريخ المواجهات بين المنتخبين، بعدما سجل هدفه الأول بيده في لقطة لم يرها الحكم، قبل أن يعود بعد دقائق ويسجل الهدف الذي عرف لاحقًا بـ”هدف القرن”، بعدما انطلق بالكرة من منتصف الملعب وتجاوز عددًا من لاعبي المنتخب الإنجليزي والحارس بيتر شيلتون.

وانتهت المباراة بفوز الأرجنتين 2-1، قبل أن تواصل طريقها نحو التتويج بكأس العالم، إلا أن الانتصار على إنجلترا اكتسب في الذاكرة الشعبية الأرجنتينية معنى تجاوز حدود كرة القدم، بعدما جاء بعد أربع سنوات فقط من الهزيمة في حرب الفوكلاند، وهو ما جعل البعض ينظر إليه باعتباره انتصارًا رمزيًا على الدولة التي هزمت الأرجنتين عسكريًا عام 1982.

ولم يخفِ مارادونا لاحقًا أن المشاعر المحيطة بالمباراة كانت مختلفة عن أي مواجهة أخرى، في ظل ما خلفته الحرب من جراح داخل المجتمع الأرجنتيني، لتصبح مباراة 1986 منذ ذلك الحين جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الصراع الكروي بين البلدين.

خصومة لم تتوقف عند مارادونا
وتجددت المواجهة في كأس العالم 1998، عندما تعادل المنتخبان 2-2 في مباراة شهدت طرد النجم الإنجليزي ديفيد بيكهام بعد احتكاكه مع الأرجنتيني دييغو سيميوني، قبل أن تحسم الأرجنتين بطاقة التأهل بركلات الترجيح، في خسارة تحولت بعدها إلى واحدة من أكثر اللحظات قسوة في مسيرة بيكهام مع المنتخب الإنجليزي.

وبعد أربعة أعوام، عاد المنتخبان إلى المواجهة في مونديال 2002، وتمكن بيكهام نفسه من تسجيل هدف الفوز لإنجلترا من ركلة جزاء، في مباراة حملت بالنسبة إليه طابع الثأر الرياضي من أحداث 1998، وأضافت فصلًا جديدًا إلى واحدة من أكثر الخصومات شهرة في تاريخ كأس العالم.

نصف نهائي يعيد التاريخ إلى الواجهة
والآن، وبعد أكثر من أربعة عقود على حرب الفوكلاند، يعود المنتخبان إلى التنافس في نصف نهائي كأس العالم 2026، في لقاء يحمل رهانًا رياضيًا أكبر من جميع مبارياتهما الأخيرة، إذ تفصل 90 دقيقة أحدهما عن بلوغ المباراة النهائية والمنافسة على اللقب الأغلى في كرة القدم.

ورغم تغير الأجيال ورحيل أبرز رموز تلك الحقبة، وفي مقدمتهم مارادونا وتاتشر، فإن قضية الجزر نفسها لا تزال قائمة حتى اليوم، فلا تزال بريطانيا تطلق عليها اسم “فوكلاند” وتتمسك بسيادتها عليها، فيما تواصل الأرجنتين تسميتها “مالفيناس” والمطالبة بها باعتبارها جزءًا من أراضيها.

وبين حرب استمرت 74 يومًا وأودت بحياة المئات، ومباراة صنعت “هدف القرن”، ثم مواجهات أخرى حملت لحظات من الثأر والانكسار، تبدو مباراة الأرجنتين وإنجلترا في نصف نهائي مونديال 2026 أحدث فصل في خصومة تاريخية نادرة امتزجت فيها كرة القدم بالسياسة والحرب والذاكرة الوطنية.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى