فلسفة المظاهر وصدق الجوهر وخداع الانطباعات الأولى

▪︎ واتس المملكة

.

ينطلق الكاتب من حكمةٍ عن الطاووس والثعبان ليتأمل علاقة الإنسان بالمظاهر والجوهر، مؤكدًا أن الجمال والبلاغة والأناقة لا تكفي وحدها للحكم على الناس. يبيّن أن المواقف والامتحانات الحقيقية هي التي تكشف الأخلاق، وأن الثقة …

قرأت قبل أيام حكمةٍ تختصر كثيرًا من تجارب الحياة تقول: «حين ترى الطاووس يأكل ثعبانًا، تتوقف عن الثقة في الجمال، وتبدأ في احترام الحقيقة». ولعلّ في هذه العبارة ما يتجاوز صورتها المدهشة إلى معنى أعمق يمسّ جوهر الإنسان وعلاقته بما يراه، وما يظنّه، وما يختبئ خلف الأشياء من حقائق لا تُدركها العين وحدها. فالحياة، في كثيرٍ من وجوهها، لا تمنحنا الحقيقة عاريةً من الزينة، وإنما تقدّمها إلينا محاطةً بالألوان، ومكسوّةً ببريق المظاهر، حتى نظنّ أحيانًا أن ما يأسر أبصارنا جديرٌ بأن يستقرّ في قلوبنا، وأن ما يدهشنا في لحظته الأولى لا بدّ أن يكون جميلًا في حقيقته، نقيًّا في سريرته، صادقًا في مقاصده.

غير أنّ الأيام، بما تحمله من تجارب ومواقف وانكشافات، تعلّمنا أن الجمال ليس مرادفًا للنقاء، وأن البلاغة ليست دليلًا على الصدق، وأن الأناقة في الحضور لا تعني بالضرورة رقيًّا في الأخلاق. فكم من صورةٍ أبهرتنا، ثم أطفأت حقيقتها كلّ ذلك الوهج! وكم من إنسانٍ دخل حياتنا محمولًا على أجنحة الإعجاب، ثم تركتنا الأيام أمام حقيقةٍ لم تكن العين لتراها، ولا الكلمات لتبوح بها! وكم من وجهٍ أجاد ارتداء ملامح الطيبة، ومن لسانٍ أتقن صناعة العذوبة، ومن حضورٍ بدا كأنّه هبةٌ من الجمال، بينما كانت خلف ذلك كلّه نفسٌ لا تُشبه الصورة التي رسمتها لنفسها، ولا تمتّ إلى النقاء الذي أوحت به بصلة!

إنّ المشكلة ليست في الجمال ذاته، فالجمال نعمةٌ حين يقترن بالفضيلة، وبهاءٌ حين يسكنه الصدق، وقيمةٌ حين لا يكون ستارًا يخفي ما يناقضه؛ وإنّما المشكلة أن نجعل منه ميزانًا نحكم به على الأشياء، أو دليلًا نُسلّم له بقلوبنا قبل أن تمنحنا التجربة حقّ المعرفة. فالعين ترى الملامح، لكنها لا تقرأ النوايا، وتسمع الأذن الكلمات، لكنها لا تعرف دائمًا ما إذا كانت صادرةً عن قلبٍ صادق أم عن عقلٍ يُحسن التمثيل. وقد يُتقن المرء انتقاء عباراته كما يُتقن الرسّام اختيار ألوانه، فيصنع من نفسه صورةً آسرة، ويترك في نفوس الآخرين انطباعًا لا يلبث أن يتصدّع حين تصطدم الكلمات بالأفعال، وحين تضع الحياة ذلك الإنسان أمام اختبارٍ لا تنفع فيه البلاغة، ولا يشفع فيه المظهر، ولا تنقذه براعة التبرير.

ولعلّ أخطر ما في المظاهر أنّها لا تكذب دائمًا كذبًا صريحًا، وإنما قد تمنحنا نصف الحقيقة، وتترك للنصف الآخر مهمة المفاجأة. فليس كلّ من أظهر الودّ محبًّا، ولا كلّ من أكثر الثناء مخلصًا، ولا كلّ من اقترب منك راغبًا فيك لذاتك؛ إذ قد تختبئ وراء اللطف مصلحة، وخلف المجاملة غاية، وتحت ستار الاهتمام رغبةٌ في الوصول إلى ما تملك، لا إلى من تكون. وبعض الناس لا يكشفون حقيقتهم حين تكون الأمور على ما يرام، وإنما حين تتغيّر الظروف، وتتبدّل المصالح، وتضيق المسافات التي كانت تجمعهم بك ما دمت نافعًا لهم أو موافقًا لأهوائهم.

هناك، في اللحظات التي تتعارض فيها المصلحة مع المبدأ، ويصبح الصدق مكلفًا، والوفاء عبئًا، والاعتذار اعترافًا لا يرغب صاحبه في تقديمه، تبدأ الوجوه الحقيقية في الظهور. فليس من الصعب أن تكون وفيًّا حين لا يكلّفك الوفاء شيئًا، ولا أن تكون كريمًا حين تكون يدك ممتلئة، ولا أن تتحدّث عن المبادئ حين لا تتعارض مع رغباتك. إنّ الامتحان الحقيقي للإنسان يبدأ عندما يصبح عليه أن يختار بين ما ينفعه وما يليق به، بين مكسبٍ عاجل وضميرٍ مستيقظ، بين أن ينتصر لنفسه وأن ينصف غيره، ولو كان في الإنصاف شيءٌ من الخسارة.

فالمواقف ليست أحداثًا عابرةً في سجلّ العلاقات، وإنما هي اللغة التي تتحدّث بها الأخلاق حين تعجز الكلمات عن إخفاء حقيقتها. وهي المرآة التي لا تجامل، والميزان الذي لا يزن الناس بما يقولونه عن أنفسهم، ولكن بما يفعلونه حين لا يكونون تحت الأضواء، وبما يصنعونه حين لا ينتظرون تصفيقًا، وبما يختارونه حين لا يراقبهم أحد. قد يرفع الإنسان صوته بالحديث عن الوفاء، لكن موقفًا واحدًا قد يكشف مقدار وفائه؛ وقد يتغنّى بالصدق، غير أنّ لحظةً واحدةً من الخوف أو الطمع قد تفضح المسافة بين ما يدّعيه وما يؤمن به حقًّا.

ومن هنا، لا ينبغي لنا أن نغترّ بالبدايات وحدها؛ فالبدايات غالبًا ما تكون أكثر اللحظات عنايةً بالصورة، وأشدّها حرصًا على إظهار المحاسن وإخفاء العيوب. في البدايات ينتقي الناس كلماتهم، ويُظهرون أفضل ما لديهم، ويمنحوننا من الاهتمام ما يجعلنا نطمئنّ إلى قربهم. أمّا الحقائق، فإنّها تحتاج إلى الزمن كي تتجلّى، وإلى التجربة كي تتماسك ملامحها، وإلى المواقف كي تتخلّص من الزينة التي تحجبها. وليس من الحكمة أن نحكم على إنسانٍ من لحظةٍ واحدة، كما أنّه ليس من الحكمة أن نمنحه ثقتنا الكاملة لمجرّد أنّ لحظته الأولى كانت جميلة.

إنّ الثقة لا تُمنح لأنّ أحدهم يعرف كيف يتحدّث، ولا لأنّه يجيد إثارة الإعجاب، ولا لأنّ حضوره يملأ المكان، وإنما لأنّه يثبت، مرّةً بعد مرّة، أنّه أهلٌ لها. والثقة الحقيقية لا تنشأ من وعدٍ جميل، وإنما من وفاءٍ متكرّر، ولا تتأسّس على اعتذارٍ بليغ، وإنما على تغيّرٍ صادق، ولا يحفظها حسنُ الظنّ وحده، ولكن يحفظها الاتساق بين القول والفعل. فالإنسان الجدير بالثقة هو الذي لا يتبدّل جوهره بتبدّل المكاسب، ولا تتغيّر مبادئه بتغيّر الظروف، ولا يجعل من حاجتك إليه فرصةً للاستعلاء عليك، ولا من ضعفك بابًا يستبيح منه كرامتك.

ومع ذلك، فإنّ إدراك خداع المظاهر لا ينبغي أن يقودنا إلى الارتياب في الجميع، أو إلى إغلاق أبواب القلوب في وجه كلّ وافدٍ جديد. فليس من النضج أن نستبدل سذاجة الانبهار بقسوة الشكّ، ولا أن نجعل من تجارب الخذلان قانونًا نحاكم به كلّ إنسان. إنّ الحكمة الحقيقية تكمن في أن نحسن الظنّ دون أن نعطّل عقولنا، وأن نمنح الآخرين فرصتهم في أن يُظهروا حقيقتهم، دون أن نتنازل عن حقّنا في التمهّل والملاحظة. أن نكون طيّبين دون أن نكون ساذجين، ومتسامحين دون أن نكون مستباحين، ومنفتحين دون أن نكون بلا حدود.

فالحياة لا تطلب منّا أن نسيء الظنّ بالناس، وإنما أن نحسن التمييز بينهم؛ ولا أن نُطفئ إعجابنا بالجمال، ولكن أن نضعه في موضعه الصحيح؛ ولا أن نكفّ عن تصديق الكلمات، وإنما أن ننتظر من الأفعال ما يؤيّدها. فثمّة فرقٌ شاسع بين قلبٍ يمنح الثقة لأنّه لا يعرف الخذلان، وقلبٍ يمنحها لأنّه يعرف الحياة، ويُدرك أنّ الصدق موجود، وإن لم يكن كلّ ما يلمع صادقًا، وأنّ النقاء حقيقةٌ إنسانية، وإن أحسن بعض الناس تقليد ملامحها.

ولعلّ من أعمق دروس النضج أن نتعلّم الفصل بين ما يُعجبنا وما يستحقّنا، وبين ما يجذب أنظارنا وما يطمئنّ إليه وجداننا. فليس كلّ جميلٍ صالحًا لأن يكون قريبًا، ولا كلّ مدهشٍ صالحًا لأن يكون موضع ائتمان، ولا كلّ من أحسن الوصول إلى قلوبنا يستحقّ البقاء فيها. قد يأسرنا إنسانٌ بحضوره، لكنّنا نحتاج إلى أخلاقه كي نأمن جانبه؛ وقد تفتننا كلماته، لكنّنا نحتاج إلى مواقفه كي نصدّقها؛ وقد ننجذب إلى بريقه، لكنّنا نحتاج إلى جوهره كي نطمئنّ إلى أنّ ذلك البريق ليس مجرّد ضوءٍ عابرٍ يخفي خلفه عتمةً لا نراها.

وما أجمل أن يبلغ الإنسان من الوعي ما يجعله يرى الأشياء دون أن يُخدع بزخرفها، وأن يستمتع بالجمال دون أن يعبده، وأن يُقدّر اللباقة دون أن يخلط بينها وبين الأخلاق،

حتما ستعلّمنا الحياة أنّ الناس لا يُعرفون بما يختارون إظهاره فحسب، وإنما بما تكشفه الأيام منهم رغمًا عن إرادتهم؛ وأنّ بعض الحقائق تتأخّر في الظهور، لكنها حين تظهر تعيد ترتيب كلّ ماها من انطباعات. عندئذٍ نفهم أنّ ما خُيّل إلينا نقاءً قد يكون مجرّد براعةٍ في التخفّي، وأنّ ما حسبناه تواضعًا قد يكون وسيلةً للاستمالة، وأنّ بعض الوجوه لا تسقط أقنعتها لأنّ أصحابها يقرّرون كشفها، ولكن لأنّ المواقف تضيق بها حتى تعجز عن حملها.

فلا تجعل عينيك حكمًا نهائيًّا على ما تراه، ولا تجعل أذنيك شاهدًا وحيدًا على ما تسمعه، ولا تجعل إعجابك بالإنسان بديلًا عن معرفته. دع للزمن حقّه في الكشف، وللمواقف حقّها في الشهادة، وللعقل حقّه في التمييز، وللقلب حقّه في أن يطمئنّ قبل أن يمنح مفاتيحه.

فليس العاقل من فقد ثقته بالجمال، وإنما من أدرك أنّ الجمال لا يكفي؛ وليس الحكيم من توقّف عن الإعجاب بالناس، وإنما من تعلّم ألّا يمنح الإعجاب منزلة الثقة قبل أوانها. فالأشياء لا تُقاس بما تُظهره للعيون، وإنما بما تكشفه عند الامتحان؛ والإنسان لا تسمو قيمته بما يملكه من بريق، ولكن بما يسكنه من ضمير. وحين تتساقط الزينة، وتخفت الأضواء، وتسكت الكلمات، لا يبقى في ميزان الحقيقة إلا الجوهر؛ فهو وحده الذي لا يحتاج إلى قناع، ولا يخشى انكشافًا، ولا يفقد قيمته حين ينصرف عنه إعجاب الآخرين.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى