هل تنوع الشواهي يفيد المقاهي؟

▪︎ واتس المملكة

.

يركّز المقال على أن الاختلاف هو السنّة الراسخة في الكون ومحرك الحضارة، بينما يُعدّ السعي لفرض النمطية ووهم التطابق نوعاً من جمود يهدد حيوية المجتمعات. ويبيّن أن هناك أصولاً ثابتة لا خلاف فيها، تقابلها مساحات واسعة من الفروع المفتوحة للاجتهاد وتنوع الأذواق، مستشهداً بالنصوص الشرعية وأقوال الفلاسفة. و…

شاع بين البشر وهمٌ قديم يرفع من شأن التطابق ويرى في النمطية أماناً، كأنما الوجود لا يستقيم إلا بصهر العقول في قالب واحد. غير أن الحقيقة العارية تخبرنا بأن سنة الكون الراسخة هي الاختلاف لا الاتفاق، فهو الناموس الذي يحمي العالم من رطوبة الركود والتعفن البطيء، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}.

من هنا نلمح هندسة الكون؛ فهناك أصولٌ محسومة تضيق دائرتها لا خلاف فيها كاحترام النظام والآداب العامة، وهناك – في الجانب الآخر- فروعٌ تتسع فيها الخيارات حتى اللانهائية، وهذا العمق صاغه الإمام ابن قدامة حين قال : “اتفاق العلماء حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة”.!

هذا التوسع في قاعدة الاختلاف يتجلى في أدق تفاصيل معاشنا وأبسطها؛ خذ مثلاً رشفة الشاي في مجلس واحد، إذ تتفرع الخيارات وتتشعب الأذواق في الكأس ذاتها؛ فهذا يطلبه أخضر بنعناع وسكر، وذاك أخضر بلا نعناع وبمحليات، وثالث يرتشفه أحمر بالحبق، ورابع يفضله خالياً من السكر تماماً؛ لتجد في الجلسة الواحدة عشرات الطلبات لكوب واحد، فإذ “لولا اختلاف الأذواق لبارت الأسواق”.

وقد التقط هذا المعنى الفيلسوف نيتشه بنصه : “يجب أن نكون أحراراً في اختلافاتنا، فالنمطية هي موت الروح”، ثم وسّع المعنى الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز بقوله الشهير : “الاختلاف هو الجوهر الأصيل والوجود الحقيقي، أما الهوية المتطابقة فليست سوى وهم باهت”.

إن الفروق بين البشر هي شعلة سنة التدافع الكونية التي تحرك عجلة الحضارة وتدفع الإنسانية للأمام، شريطة ألا يتحول هذا التمايز إلى شقاق أو خلاف يمزق القلوب.

حسناً ماذا بقي؟!

بقي القول : إن الشجاعة تكمن في قبول محيط التباين الصاخب دون التخلي عن رصانة الأصول، وأن نردد دائماً ونقول : اختلاف العلماء رحمة، واختلاف الشواهي يرفع من مبيعات المقاهي.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى