توقف المطار.. ولم تتوقف الرياض

▪︎ واتس المملكة
.
يؤكد المقال أن تعليق العمليات التشغيلية في مطار الملك خالد الدولي بالرياض بعد الاعتداءات الحوثية الإرهابية لم يؤدِّ إلى شلل في مؤسسات الدولة أو الاقتصاد، بفضل البنية التحتية المتنوعة والبدائل اللوجستية التي بنتها المملكة عبر عقود. ويبرز أن قوة السعودية الحقيقية تكمن في التخطيط الإستراتيجي، واستقرار…
في حسابات الدول، هناك لحظات أشد خطورة من صوت الانفجارات، وأعمق أثرا من حجم الخسائر. لحظات يصبح فيها السؤال أكبر من الحادث نفسه: ماذا يحدث لو توقف أحد شرايين العاصمة؟ هل تتعطل المصالح؟ هل ترتبك الأسواق؟ هل تنقطع الإمدادات؟ هل ترتفع الأسعار؟ وهل يمكن أن تتحول ضربة تستهدف منشأة حيوية إلى أزمة تهز دولة بأكملها؟
إن أخطر ما في استهداف المرافق الحيوية ليس الضرر الذي يصيب المباني والمنشآت وحدها، بل محاولة ضرب الثقة في قدرة الدولة على إدارة شؤونها، وإشاعة الخوف من أن تتوقف الحياة بمجرد توقف أحد مرافقها. فالمطارات في عالم اليوم ليست مجرد مدارج للطائرات، بل بوابات اقتصادية وشرايين اتصال تربط الدول بالعالم.
لكن هناك فارقا هائلا بين دولة تتوقف بتوقف أحد مرافقها، ودولة تمتلك من القوة والقدرة والتخطيط ما يجعل مؤسساتها أكبر من أي أزمة عابرة.
وهنا تتجلى حقيقة الدولة السعودية.
لقد مثل تعليق العمليات التشغيلية في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، عقب الاعتداءات التي شنتها ميليشيا الحوثي الإرهابية على المطار، اختبارا مهما لقدرة المملكة على إدارة الظروف الاستثنائية. فالمطار ليس منشأة عادية، بل إحدى أهم بوابات العاصمة إلى العالم، واستهدافه اعتداء على منشأة مدنية وحياة الأبرياء، ومحاولة لزعزعة الأمن والاستقرار وتعطيل المصالح الحيوية.
غير أن ما يستحق التأمل هو أن توقف المطار لم يكن توقفا للدولة، وأن تعطل حركة الطائرات في منشأة حيوية لم يعن تعطل مؤسسات المملكة أو شلل اقتصادها أو توقف قدرتها على إدارة مصالحها.
فالسعودية لم تبن قوتها على منشأة واحدة، ولم تجعل استقرارها رهينة بمرفق واحد، بل أسست عبر عقود منظومة متكاملة من البنية التحتية والقدرات الاقتصادية واللوجستية، تمتلك خيارات متعددة ومسارات بديلة للتعامل مع المتغيرات.
ومن هنا تظهر قيمة التخطيط الإستراتيجي الذي تتبناه القيادة السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. فالقوة الحقيقية لا تكمن في مواجهة الأزمات عند وقوعها فحسب، بل في بناء دولة قادرة على التعامل معها قبل أن تقع، عبر تنويع الخيارات وتطوير البنية التحتية وتعزيز جاهزية المؤسسات.
إن وجود شبكة واسعة من المطارات والموانئ والطرق والسكك الحديدية يمنح المملكة مرونة إستراتيجية مهمة، ويتيح بدائل للنقل والتنقل وحركة البضائع عند تعطل أحد المسارات. كما أن تعدد المنافذ البحرية والبرية والجوية يحد من الاعتماد على نقطة تشغيلية واحدة، ويعزز قدرة الاقتصاد على الاستمرار.
وهذه البدائل لا تعني أن التعطل بلا تكلفة أو أثر، لكنها تعني أن المملكة تمتلك أدوات لاحتواء تداعياته، وتقليل انعكاساته على حركة الأعمال والإمدادات والخدمات. فالاعتداء الإرهابي قد يعطل منشأة، لكنه لا يستطيع بمفرده تعطيل شبكة وطنية واسعة من القدرات والإمكانات.
ولعل من أبرز مظاهر القوة الاقتصادية السعودية ما أظهرته الأسواق من تماسك أمام الاضطرابات الإقليمية. ففي الوقت الذي واجهت فيه اقتصادات أخرى ارتفاعات في تكاليف الطاقة والنقل وضغوطا متزايدة على الأسعار، حافظت المملكة على مستويات تضخم محدودة نسبيا، ولم تشهد موجة ارتفاعات عامة مماثلة لحجم الضغوط التي طالت أسواقا أخرى.
إن استقرار الأسعار النسبي ليس تفصيلا اقتصاديا عابرا، بل مؤشر على أهمية السياسات المالية والنقدية، وتنوع مصادر الإمداد، وقدرة الدولة على تخفيف انتقال الصدمات الخارجية إلى السوق المحلية. فالمواطن لا يقيس قوة الاقتصاد بالأرقام وحدها، وإنما بما يلمسه في حياته اليومية، من توافر احتياجاته الأساسية واستمرار الخدمات وقدرة الأسواق على العمل.
والأهم من ذلك أن الاعتداءات الحوثية الإرهابية الجبانة، التي استهدفت المدنيين الأبرياء والمعتمرين والمنشآت المدنية، رغم خطورتها وما خلفته من ضحايا وأضرار، لم تنجح في فرض حالة شلل عام على الحياة في المملكة. فقد استمرت مؤسسات الدولة في أداء مسؤولياتها، وواصلت القطاعات الحيوية أعمالها، وبقيت مظاهر الحياة اليومية قائمة، في صورة تعكس قوة الدولة السعودية وقدرتها على إدارة الأزمة واحتواء تداعياتها.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز طمأنينة الإنسان في المملكة بوصفها أحد أهم عناصر القوة الوطنية. فالأمن لا يقاس فقط بقدرة الأجهزة المختصة على مواجهة التهديدات، بل أيضا بثقة المجتمع في أن هناك دولة حاضرة، وقيادة تتابع، ومؤسسات تعمل، وقرارات تتخذ لحماية الأرواح والمصالح.
لقد جسد المجتمع السعودي معنى الثقة الراسخة بالدولة، فالمواطن يدرك أن وطنه يمتلك قيادة لا تتهاون في حماية أمنه، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، وقدرات وطنية قادرة على مواجهة التحديات. وهذه الثقة ليست وليدة حادثة عابرة، بل ثمرة تاريخ طويل من العلاقة المتينة بين القيادة والشعب، القائمة على الولاء والانتماء ووحدة المصير.
إن انتماء المواطنين لقيادتهم ووطنهم يمثل قوة لا تقل أهمية عن قوة الاقتصاد أو البنية التحتية. فالدول لا تصمد بالمؤسسات وحدها، وإنما تصمد أيضا بمجتمعات تؤمن بوطنها، وتثق بقيادتها، وتدرك أن أمنها واستقرارها مسؤولية وطنية مشتركة.
وهنا تتجلى إحدى أهم الحقائق التي قد يغفل عنها من يراهن على الاعتداءات الإرهابية لزعزعة المملكة: أن المجتمع السعودي ليس نقطة ضعف يمكن استهدافها بالخوف، بل ركيزة قوة تتعزز في أوقات الشدائد.
أما على المستوى السياسي، فإن حنكة القيادة السعودية تتجلى في إدراكها أن إدارة الأزمات ليست مجرد رد فعل على حدث طارئ، بل مسؤولية شاملة تتطلب حماية الأمن الوطني، وصون المصالح الاقتصادية، والمحافظة على ثقة المجتمع، والتعامل مع التحديات بحسابات الدولة الراسخة لا بانفعالات اللحظة.
ولذلك فإن قرار تعليق العمليات التشغيلية في مطار الملك خالد الدولي لاستكمال تقييم الأضرار والتحقق من سلامة المرافق لم يكن مؤشرا على ضعف الدولة، بل تعبيرا عن مسؤوليتها في تقديم سلامة الإنسان على اعتبارات التشغيل، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
إن الاعتداءات الحوثية الإرهابية التي استهدفت المطارات والمنشآت المدنية السعودية تكشف طبيعة النهج الذي يتعمد تعريض الأبرياء للخطر، لكنها في المقابل تبرز الفارق بين من يستخدم الإرهاب أداة للضغط، ودولة تدير أمنها واقتصادها ومصالح شعبها بعقلية المؤسسات والتخطيط الاستراتيجي.
لقد أثبتت التجارب أن الدول القوية ليست تلك التي لا تتعرض للاعتداءات، وإنما تلك التي لا تسمح للاعتداءات بأن تفرض عليها الشلل أو تفقدها قدرتها على اتخاذ القرار.
وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تقرأ من خلالها قوة المملكة: منشأة قد تتوقف لأسباب أمنية، ورحلات قد تتأخر، ومسارات قد تتغير، لكن الدولة تواصل إدارة شؤونها، ومؤسساتها تؤدي مسؤولياتها، وأسواقها تحتفظ بقدر مهم من استقرارها، ومجتمعها يستمد طمأنينته من ثقته بقيادته، وقدراتها الوطنية تمنحها خيارات تتجاوز حدود المرفق المتضرر.
إن قوة السعودية لا تختزل في مطار مهما بلغت أهميته، ولا في طريق مهما كان حيويا، ولا في منشأة مهما عظمت قيمتها. قوتها في قيادة تعرف كيف تدير الدولة، ومؤسسات تعرف مسؤولياتها، واقتصاد يمتلك مقومات الصمود، وشعب يرى في أمن وطنه واستقراره امتدادا لولائه وانتمائه.
وفي النهاية، قد تستطيع ميليشيا إرهابية أن تعطل حركة الطائرات في مطار، لكنها لا تستطيع أن توقف حركة دولة بحجم المملكة العربية السعودية، ولا أن تنتزع ثقة شعب بقيادته، ولا أن تجعل مستقبل وطن مرهونا باعتداء.
فالمطار قد يتوقف.. أما الدولة التي تمتلك القيادة والقرار والبدائل، فلا تختزل قوتها في مدرج، ولا يرتهن مستقبلها لرحلة، ولا تتوقف مسيرتها عند أزمة.
هذه هي السعودية.. قيادة تحسن إدارة الأزمات، ودولة تمتلك مقومات القوة، وشعب يزداد بوطنه اعتزازا وبقيادته ثقة، ومسيرة وطنية أكبر من أن يوقفها اعتداء إرهابي جبان، وأرسخ من أن تهزها محاولات الإرهاب.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq

