التطرف في حب السعودية |

▪︎ واتس المملكة
.
المقال يدعو إلى «التطرف الحميد» في حب السعودية، بوصفه مبالغة في أداء المسؤوليات تجاه الوطن لا في الشعارات والانفعال، مؤكداً أن كل مواطن يخدم بلاده من موقعه؛ الجندي في حماية الحدود، والطبيب في إنقاذ الأرواح، والموظف في إتقان عمله، وحتى من يرفض نشر الشائعات. ويشير الكاتب إلى أن الاعتداءات الحوثية الأخ…
في كثير من المجالس، حين تُذكر كلمة «التطرف»، يحضر معناها السيئ مباشرة؛ الغلو، والتعصب، ورفض الآخر، وكل ما يأخذ الإنسان بعيدًا عن الاعتدال، وربما لهذا تبدو العبارة غريبة حين أقول إن هناك نوعًا واحدًا من التطرف أراه حميدًا، وأتمنى أن نصاب به جميعا وهو التطرف في حب السعودية.
ولا أقصد بحب الوطن أن نتشابه جميعًا في طريقة التعبير عنه، ولا أن يكون دفاعنا عنه نسخة واحدة مكررة؛ فالوطن لا يحتاج منا الدور نفسه، وإنما يحتاج أن يؤدي كل واحد منا دوره كما يجب.
الجندي يحمي حدوده، والطبيب يحفظ حياة أبنائه، والمهندس يبني، والمعلم يصنع جيلًا يعرف قيمة ما بين يديه، والإعلامي يحمي الحقيقة من الشائعة، والموظف يؤدي عمله بإتقان، ورجل الأعمال يحافظ على استثماراته ووظائف الناس، والمواطن الذي تصله معلومة مجهولة المصدر ثم يقرر ألا ينشرها قد يكون في لحظة ما أدى لوطنه دورًا أهم من مئة تغريدة حماسية، فليس مطلوبًا من الجميع أن يكونوا في الصف الأول نفسه، لكن المطلوب أن نستمر على صف واحد.
وقد لفتني في الأيام الماضية أن السعوديين لم يحتاجوا إلى من يشرح لهم هذا المعنى، مع الاعتداءات التي استهدفت مدنيين وأعيانًا مدنية من ميليشيا الحوثي الإرهابية المدارة من قبل إيران، ظهرت حالة من التماسك يصعب اختصارها في الشعارات؛ الأجهزة الأمنية والعسكرية تؤدي مهمتها، القطاعات الصحية والخدمية ترفع جاهزيتها، المؤسسات تواصل أعمالها، والناس تمضي في حياتها بصورة طبيعية، وهذه ربما إحدى الصور التي لا ينتبه إليها البعض عند الحديث عن الوطنية أن تستمر الحياة نفسها قد يكون موقفًا وطنيًا.
معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري عبّر عن هذا المعنى في المؤتمر الصحفي الحكومي الـ37 الذي نظمته وزارة الإعلام في الرياض يوم 12 أكتوبر 2026، حين أكد أن المملكة «قوية بتماسك أبنائها»، وأن الحياة مستمرة بصورة طبيعية، وأن رفع الجاهزية لا يعني القلق بقدر ما يعكس استعداد الدولة لمختلف السيناريوهات.
وأعتقد أن الجملة تتجاوز وصف الحالة الأمنية إلى معنى أكبر؛ فتماسك الدول لا يصنعه جهاز واحد، مهما بلغت قوته، وإنما منظومة كاملة يعرف فيها كل شخص أين يقف وماذا يفعل.
قد يظن البعض أن الذود عن الوطن يعني دائمًا المواجهة المباشرة، بينما صورته اليوم أوسع كثيرًا، المتخصص في الأمن السيبراني الذي يحمي الأنظمة يذود عن وطنه، والمختص في الاتصال الذي يمنع انتشار معلومة مضللة يفعل الشيء نفسه، والطبيب الذي يبقى في موقعه، والطيار الذي يؤدي مهمته، والموظف الذي لا يسمح للقلق بأن يعطل عمله، كلهم يؤدون أدوارًا مختلفة في قصة واحدة.
حتى أبسط التصرفات قد تصبح ذات قيمة مختلفة في وقت الأزمات، تخيل أن تصل إلى أحدهم رسالة تزعم وقوع حدث ما، بلا مصدر، فيسارع إلى نشرها في عشر مجموعات، ثم يأتي آخر ويتوقف لثوانٍ ويسأل: من قال؟ أين المصدر؟ وهل نشرها يخدم أحدًا سوى من يريد نشر الخوف؟
الأول ربما ظن أنه ينقل خبرًا، والثاني مارس مسؤولية وطنية، وهنا في رأيي يظهر الفرق بين حب الوطن بوصفه شعورًا، وحبه بوصفه سلوكًا، فمن السهل أن تقول إنك تحب وطنك، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح لهذا الحب ثمن؛ أن تضبط نفسك حين يندفع الآخرون، وأن تعمل حين يقلق الآخرون، وأن تلتزم بمهمتك حين يصبح من الأسهل أن تتركها وتتفرغ للكلام.
ولا يعني ذلك أن الوطنية تلغي الاختلاف، أو أن حب الوطن يتطلب أن نتفق في كل شيء، السعوديون يختلفون في آرائهم، وفي نظرتهم إلى كثير من التفاصيل، وهذا طبيعي في أي مجتمع حي، لكن هناك مساحة أكبر من كل تلك الاختلافات، لا تحتاج إلى اتفاق جديد كلما تعرض الوطن لاختبار؛ السعودية نفسها.
ولهذا أعود إلى كلمة «التطرف»
إن كان لها استثناء واحد آمنت بأهمية التمسك به، فهو أن نتطرف في حب هذا الوطن؛ لا بكراهية غيرنا، ولا بالصراخ أكثر من الآخرين، وإنما بأن نبالغ في أداء مسؤولياتنا تجاهه.
فالأوطان لا يحميها الجميع بالطريقة نفسها، لكنها تصبح أقوى عندما يؤدي الجميع أدوارهم المختلفة للسبب نفسه.
السعودية.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq




