السعودية.. حين تعيد تسعير علاقاتها

▪︎ واتس المملكة

.

المقال يدعو إلى “إعادة تسعير” العلاقات الخارجية للمملكة العربية السعودية، بحيث تُربط الامتيازات والدعم والفرص بوضوح مواقف الشركاء ودرجة التزامهم بأمن المملكة واستقرارها ومصالحها العليا، لا بمجرد تاريخ العلاقة أو طول عمرها. ويؤكد أن السعودية، بما تملكه من ثقل اقتصادي وسياسي واستراتيجي، ليست مطالبة بت…

في السياسة ؛ لا تُقاس العلاقات بطول عمرها، بل بقدرتها على الصمود حين ترتفع كلفة الموقف.

ومن هنا ؛ فإن المملكة العربية السعودية، بما تملكه من ثقل اقتصادي، ومكانة سياسية، وعمق عربي وإسلامي، لم تعد بحاجة إلى توسيع شبكة علاقاتها بقدر حاجتها إلى إعادة وزنها وتسعيرها.

والمقصود بالتسعير هنا ليس المال، بل قيمة الموقف، ودرجة الالتزام، وحجم المنفعة المتبادلة، وكلفة الحياد والخصومة.

فليس كل شريك حليفًا، وليس كل حليف ثابتًا، وليس كل محايد بعيدًا عن التأثير.

والدول تُختبر عند الأزمات؛ لأن الاتفاقات تُكتب بالحبر، أما المواقف فتُكتب تحت الضغط.

“العلاقة التي لا تصمد عند الخطر ؛ لا تستحق امتيازات الرخاء”.

وهذه قاعدة تستحق أن تدخل في صميم التفكير الاستراتيجي السعودي.

فالعالم اليوم تحكمه المصالح أكثر من الشعارات، والحسابات أكثر من العواطف؛ ولذلك لا يصح أن تبقى بعض العلاقات محكومة بذاكرة الأمس، بينما تغيّرت خرائط النفوذ والمنافسة والمصالح.

وهنا يبرز السؤال الأهم:

هل من الطبيعي أن تبقى منافع العلاقة ثابتة، بينما مواقف الطرف الآخر متغيرة؟

الجواب: لا.

فمن يشارك المملكة مصالحها ؛ ينبغي أن يشاركها كذلك مسؤولية الاستقرار، واحترام أمنها، ومراعاة مصالحها العليا.

أما أن تبقى الاستفادة في اتجاه، والمواقف في اتجاه آخر ؛ فهذه ليست شراكة متوازنة، بل علاقة تحتاج إلى مراجعة.

ولهذا ؛ فإن المرحلة المقبلة تستحق قاعدة واضحة:

لا امتياز بلا موقف، ولا شراكة بلا التزام، ولا تحالف بلا اختبار.

وهذه ليست دعوة إلى القطيعة، ولا إلى توسيع دائرة الخصوم، بل إلى إعادة التصنيف.

فالدولة العاقلة لا تجعل الجميع في مرتبة واحدة؛ هناك حليف، وشريك، ومنافس، ومحايد، وخصم.

والمشكلة تبدأ حين تُمنح هذه الدوائر المختلفة الثقة نفسها، أو الامتيازات نفسها، أو المساحة نفسها.

والسعودية اليوم تملك أوراق قوة كبيرة: سوقًا ضخمة، ومشروعات كبرى، واستثمارات مؤثرة، وثقلًا في الطاقة، وموقعًا استراتيجيًا، ومكانة لا يمكن تجاوزها في العالمين العربي والإسلامي.

ومن يملك هذه الأوراق ؛ لا يحتاج إلى استخدامها بانفعال.

فالسياسة الحكيمة لا تكشف كل أوراقها، لكنها تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم.

ومن هنا ؛ فإن إعادة تسعير العلاقات تعني أن ترتبط الفرص والامتيازات والدعم السياسي والاقتصادي بدرجة وضوح الشراكة واحترام المصلحة السعودية.

فلا ينبغي أن يكون الكرم السياسي حقًا مكتسبًا.

ولا الدعم عادة دائمة.

ولا الثقة شيكًا مفتوحًا.

ولا الحياد في الأزمات بلا كلفة.

بل يجب أن تكون العلاقة مع المملكة معادلة متوازنة: مصلحة بمصلحة، والتزام بالتزام، وموقف بموقف.

وهذا لا يعني أن تتحول المملكة إلى دولة تبحث عن الخصومات؛ فالدولة القوية لا تكثر أعداءها، لكنها كذلك لا تسمح لأحد بأن يخطئ في تقدير وزنها.

“الردع السياسي يبدأ حين يعرف الآخر أن خسارتك أثقل من خلافه معك”.

وهذه هي الفكرة الجوهرية.

السعودية لا تحتاج إلى أن يحبها الجميع، ولا أن يصفق لها الجميع، ولا أن يقف الجميع في صفها في كل ملف.

لكنها تحتاج إلى أن يعرف الجميع أن أمنها ليس قابلًا للمساومة، وأن مصالحها ليست مساحة مفتوحة، وأن شراكاتها لها قيمة، وأن ثقتها تُمنح بقدر ما تُحترم.

ومن هنا ؛ فإن إعادة تسعير العلاقات ليست انقلابًا على أحد، بل تصحيحًا للميزان.

وليست انغلاقًا، بل نضجًا.

وليست قسوة، بل وضوحًا.

وحين يتحول هذا المفهوم إلى ممارسة ؛ فلن يكون السؤال السعودي:

من معنا ومن ضدنا؟

بل سيكون السؤال الذي يدور في عواصم الآخرين:

كم سنخسر إذا خسرنا السعودية؟

وهنا تبلغ المعادلة ذروتها:

الدولة التي يعرف الآخرون ثمن خسارتها ؛ لا تحتاج إلى أن تذكّرهم كل يوم بقيمة صداقتها.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى