غسل الأموال جريمة تخفي كل الجرائم

▪︎ واتس المملكة

.

المقال يشرح أن جريمة غسل الأموال قد تطال أشخاصًا عاديين يجرون تحويلات مالية مجاملةً أو خدمةً لآخرين، لأن النظام لا يجرّم فقط من ارتكب الجريمة الأصلية، بل أيضًا من ساعد على إخفاء المال أو تمريره أو إضفاء المشروعية عليه. ويعرض تعريف غسل الأموال، وارتباطه بـ”الجريمة الأصلية”، والأفعال الأربعة المجرَّمة…

في مكاتب النيابة العامة يجلس كل عام أشخاص لم يسرقوا ولم يحتالوا ولم يرتشوا ومع ذلك يواجهون اتهامًا بجريمة غسل أموال. رجلٌ استقبل مبلغًا في حسابه من شخصٍ يعرفه ثم حوّله إلى ثالثٍ مقابل عمولةٍ يسيرة أو بدون مقابل، في ظنّه أنها خدمةٌ عابرة، أو مجاملةٌ لصديق، أو ربحٌ سهلٌ لا ضرر فيه. هذه هي خصوصية هذه الجريمة أن يكون المرء داخلها دون أن يرى منها إلا زاويةً صغيرة. فالنظام لا ينظر إلى اليد التي سرقت أو احتالت وحدها، بل ينظر كذلك إلى اليد التي أعانت على إخفاء المال أو تمريره أو إلباسه ثوب المشروعية.

وفي هذه السلسلة (ستة مقالات متتابعة) نُفكّك جريمة غسل الأموال في النظام: مفهومها وأركانها وصورها العملية، وكيف تُبنى القضية وتُواجَه وما العقوبات والآثار المترتبة عليها.

مالٌ يحتاج إلى تنظيف

غسل الأموال في أبسط تعبير محاولةُ تنظيف مالٍ غير نظيف وليس المقصود أن المال متسخٌ في ذاته بل أن مصدره غير مشروع: من رشوة أو احتيال أو مخدرات أو تزوير أو اختلاس أو فساد مالي أو إداري، أو من أي نشاط جرمي. فالجاني لا يريد أن يظهر المال أمام الناس والبنوك والجهات الرسمية على حقيقته فيسعى إلى أن يمنحه شكلًا مقبولًا قد يُدخله في تجارة أو يشتري به عقارًا أو يحرّكه بين حساباتٍ متعددة أو يضعه باسم غيره سواءٌ أكان قريبًا أم غيره، أو يصنع له عقودًا وفواتير وسنداتٍ صورية. وسُمّيت (غسلًا) لأن المال يمرّ بمراحل حتى يظهر في النهاية كأنه مشروع. فمن حصل على مالٍ من رشوة لا يستطيع إيداعه دفعةً واحدة دون أن يثير الشبهة فيبدأ بتجزئته وإيداعه على دفعات وتحويله إلى أشخاص وشراء أصولٍ به ثم يقول بعد مدة: هذه أرباح تجارة. والخطر أن الجريمة لا تقف عند الفعل الأصلي بل تمتدّ إلى صناعة قصةٍ وهمية للمال فغسل الأموال ليس حركةً بنكيةً فحسب، بل روايةً كاذبةً تُصنع لتمنح المال تاريخًا جديدًا.

مفتاح الفهم: «الجريمة الأصلية»

لا يستقيم فهم هذه الجريمة دون فهم هذا المصطلح. فالمال المغسول لا يولد من فراغ، وإنما يخرج غالبًا من جريمةٍ سابقة تُسمّى الجريمة الأصلية.

وقد عرّفتها المادة الأولى من نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/20) وتاريخ 5/2/1439هـ تعريفًا واسعًا لافتًا؛ إذ جعلتها كلَّ فعلٍ يُرتكب داخل المملكة يشكّل جريمةً معاقَبًا عليها وفق الشرع أو الأنظمة في المملكة وكلَّ فعلٍ يُرتكب خارج المملكة إذا كان يعد جريمةً وفقًا لقوانين الدولة التي ارتُكب فيها، ووفقًا للشرع أو أنظمة المملكة فيما لو ارتُكب داخلها. وفي هذا التعريف رسالتان: أن دائرة الجرائم الأصلية واسعةٌ جدًّا، وأن الحدود الجغرافية لا تحمي أحدًا؛ فالمال المتحصّل من جريمةٍ وقعت في الخارج يبقى محلًّا للمساءلة متى دخل النظام المالي في المملكة أو مرّ عبره. ولذلك، في كثيرٍ من القضايا لا يكفي السؤال: من أين جاء المال؟ بل يُضاف إليه: لماذا نُقل بهذه الطريقة؟ ولماذا استُخدم هذا الشخص؟ ولماذا أُخفي المستفيد الحقيقي؟

الأفعال الأربعة المجرمة

حدّدت المادة الثانية من النظام أربعة أفعالٍ يُعدّ من قام بها مرتكبًا لجريمة غسل الأموال:

الأول: تحويل أموال أو نقلها أو إجراء أي عمليةٍ بها، مع علمه بأنها من متحصّلات جريمة، لأجل إخفاء المصدر غير المشروع أو تمويهه، أو لأجل مساعدة متورّطٍ في الجريمة الأصلية على الإفلات من عواقبها.

الثاني: اكتساب الأموال أو حيازتها أو استخدامها، مع العلم بأنها من متحصّلات جريمة أو من مصدرٍ غير مشروع.

الثالث: إخفاء أو تمويه طبيعة الأموال أو مصدرها أو حركتها أو ملكيتها أو مكانها أو طريقة التصرف بها أو الحقوق المرتبطة بها، مع العلم بأنها من متحصّلات جريمة.

الرابع: الشروع في أيٍّ من هذه الأفعال، أو الاشتراك فيها بطريق الاتفاق أو تأمين المساعدة أو التحريض أو تقديم المشورة أو التوجيه أو النصح أو التسهيل أو التواطؤ أو التستّر أو التآمر.

وفي هذا التعداد ما يستحق الوقوف. فمجرد الحيازة جريمةٌ قائمة؛إذ لا يلزم أن يحوّل المرء المال أو ينفقه بل يكفي أن يحوزه عالمًا بمصدره. وصور الاشتراك جاءت واسعةً على نحوٍ لافت، حتى إن تقديم النصح أو المشورة أو مجرد التستّر فعلٌ مجرم وهو ما يعني أن من دلّ غيره على طريقةٍ لتمرير مالٍ مشبوه قد يكون شريكًا وإن لم يمرّ ريالٌ واحدٌ عبر حسابه. كما أن الشروع معاقبٌ عليه، فلا يُشترط أن تتمّ العملية.

متى تقوم الجريمة فعلًا؟

قراءة النصّ تكشف أن الجريمة لا تقوم بمجرد حركةٍ مالية، وإنما بثلاثة عناصر مجتمعة.

السلوك المادي: وقوع أحد الأفعال المذكورة من تحويلٍ أو نقلٍ أو اكتسابٍ أو حيازةٍ أو استخدامٍ أو إخفاءٍ أو تمويه. ومحلّ الفعل: أن يكون المال من متحصّلات جريمة، فإذا لم تثبت الجريمة الأصلية، أو ثبت أن المال مشروع المصدر، انهار البناء كله. والركن المعنوي: وهو العلم، بل والقصد الخاص في بعض الصور؛ إذ لا تكتفي الفقرة الأولى بالعلم، وإنما تشترط أن يكون الفعل «لأجل» الإخفاء أو التمويه أو المساعدة على الإفلات. وهذا العنصر الأخير هو مفتاح الدفاع في أكثر هذه القضايا.

نصٌّ حاسمٌ كثيرًا ما يُغفل

ثمّة نصٌّ في هذا النظام يغيّر تصور كثيرين عن الجريمة وهو المادة الثالثة التي قرّرت أن جريمة غسل الأموال جريمةٌ مستقلةٌ عن الجريمة الأصلية وأنه لا يلزم لإدانة الشخص بها، ولا لاعتبار الأموال متحصّلات جريمة، أن يكون قد أُدين بارتكاب الجريمة الأصلية. وقرّرت كذلك أن العلم والقصد والغرض يُتحقَّق منها من خلال الظروف الموضوعية والواقعية للقضية وملابساتها. ومقتضى ذلك أمران بالغا الأثر: أن انتظار حكمٍ في الجريمة الأصلية ليس شرطًا للملاحقة في غسل الأموال، فقد يُدان شخصٌ بغسل مالٍ لم يُدَن أحدٌ بعدُ بتحصيله. وأن العلم، وهو ركن الجريمة الأخطر، لا يُنتظر فيه اعترافٌ، بل يُستخلص من ملابسات الواقعة.

المراحل الثلاث

يمرّ غسل الأموال في التحليل المالي المتعارف عليه بثلاث مراحل: الإيداع، أي إدخال المال إلى النظام المالي أو التجاري ثم التمويهبتحريكه في مساراتٍ متشعبةٍ يصعب معها تتبّع أصله ثم الدمجبإظهاره في النهاية كأنه مالٌ مشروع. غير أن هذه المراحل تتداخل في الواقع العملي. فقد يدخل المال في شراء عقار، ثم يُباع العقار، ثم تدخل قيمته في شركة، ثم تظهر أرباحًا. والقاعدة الحاكمة أن غاسل الأموال لا يريد أن يمتلك المال فحسب، بل يريد أن يخلق له قصةً مشروعة.

تنبيهٌ لازم

قد يُخيف هذا العرض قارئًا يتعامل بحوالاتٍ يوميةٍ مشروعة، فليُوضَع الأمر في نصابه: ليس كل تحويلٍ بنكيٍّ غسلَ أموالٍ، ولا كل مبلغٍ كبيرٍ دليلَ جريمة؛ فالناس يبيعون ويشترون ويستثمرون ويُقرضون، والأصل في المعاملات الصحة. لكن الشبهة تبدأ حين تكون الحركة المالية غير مفسَّرة، أو لا تتناسب مع دخل صاحبها، أو تمرّ عبر أشخاصٍ لا علاقة لهم بالصفقة، أو تُجزَّأ بلا سبب، أو يُخفى فيها المستفيد الحقيقي. فالخطر ليس في التحويل وحده، بل في السياق المحيط به.

أين يظهر أثر المحامي هنا؟

قد يُظنّ البعض أن دور المحامي يبدأ بعد الاتهام، والحقيقة أن أهمّ ما يفعله يقع قبله: تكييف الواقعة. فالفارق بين حوالةٍ غير موفَّقةٍ وجريمةٍ مكتملة الأركان ليس فارقًا في الفعل بل في الوصف. والمحامي المختص لا يبدأ بالسؤال: هل فعل موكلي هذا؟ بل يبدأ بـ: هل يحمل ما فعله وصف المادة الثانية؟ وهل ثمّة جريمةٌ أصلية أُثبتت؟ وهل المال متحصَّلٌ منها؟ وهل توافر العلم بالمعنى الذي أراده النظام؟

فإن تخلّف عنصرٌ من هذه، فالواقعة مهما بدت مريبة خارج دائرة التجريم، وكثيرٌ من الملفات تُغلق عند هذا الحدّ، لا بالإنكار بل ببيان أن الوصف لا ينطبق. ومن واقع الممارسة: الموكل الذي يأتي بعد الاستدعاء ومعه أوراقٌ تفسّر مصدر ماله يختلف تمامًا عمّن يأتي ومعه رواية. وأكثر ما ينفع في هذه القضايا مستندٌ حُفظ قبل سنوات، لا حجةٌ تُصاغ بعدها. وخلاصة القول إن غسل الأموال جريمةٌ تابعة، تفترض جريمةً أصليةً سابقةً أنتجت المال، وهي في الوقت نفسه جريمةٌ مستقلة لها أركانها وعقوبتها، فلا يلزم أن يكون غاسل المال هو مرتكب الجريمة الأصلية. وهي تقوم على ثلاثة أعمدة: فعلٌ مادي، ومالٌ متحصَّلٌ من جريمة، وعلمٌ يقترن به قصدٌ في بعض الصور.

وفي المقال المقبل: كيف يقع الموظف والطالب وصاحب المتجر الصغير في هذه الجريمة دون أن يشعر؟ ومتى قد تتحول خدمة لصديق إلى تهمة غسل أموال ؟

 

المحامي / سلطان بن عمر الهيضل

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى