لا نصر لطائفة فوق أنقاض وطن

▪︎ واتس المملكة

.

يدعو المقال اليمنيين في الشمال والجنوب، بمختلف مذاهبهم وانتماءاتهم، إلى رفض تحويل الخلافات السياسية إلى صراع مناطقي أو طائفي، مؤكداً أن المعركة الحقيقية ليست بين شمال وجنوب، ولا بين سنّة وشيعة، بل بين مشروع دولةٍ ووطنٍ ومستقبل، ومشروع سلاحٍ وجماعةٍ وانقسام. يشدد الكاتب على ضرورة التفريق بين جماعة ال…

يا أهل اليمن، شمالاً وجنوباً، سنّةً وشيعةً، قبائلَ ومدناً: لا تجعلوا خلافات السياسة تُحوّل وطنكم إلى حريقٍ كبير. فاليمن لا يحتمل حرباً جديدة، ولا انقساماً جديداً، ولا مزيداً من الدم الذي لا يفرّق بين شمالي وجنوبي، ولا بين سنّي وشيعي.

إن أخطر ما يُروّج له اليوم هو أن المعركة بين الشمال والجنوب، أو أن الشرعية تُحسب على الجنوب، وأن الحوثي يُحسب على الشمال. وهذا فهمٌ مضلل؛ لأن الشمال ليس جماعةً واحدة، والجنوب ليس فصيلاً واحداً، والشرعية لا تُقاس بمناطق رجالها، بل بما تقدمه من أمنٍ وعدلٍ وخدماتٍ لليمنيين كافة.

المعركة الحقيقية ليست شمالاً ضد جنوب، وليست طائفةً ضد طائفة؛ بل هي بين مشروعين: مشروع سلاحٍ وجماعةٍ وانقسام، ومشروع دولةٍ ووطنٍ ومستقبل. ومن يختار أن يجعل اليمن ساحةً للمذاهب والجماعات، لا يصنع نصراً لطائفة، بل يصنع مقابر أكثر، وبيوتاً مهدمة، وأطفالاً بلا تعليم، وشعباً يعيش الإهانة والفقر لعقود.

ولذلك، لا بد من التفريق بين جماعة الحوثي وبين أبناء الطائفة الزيدية والشيعة في اليمن؛ فالحوثي جماعة مسلحة ذات جذور زيدية، لكنها لا تمثل كل الزيديين، ولا تختزل شيعة اليمن في مشروعها. كما أن أنصارها ليسوا جميعاً من مذهبٍ واحد؛ ففيهم من انضم بدافعٍ سياسي أو قبلي أو تحت ضغط السيطرة. فلا يجوز أن تتحول مواجهة مشروع الجماعة إلى خصومةٍ مع طائفةٍ كاملة؛ لأن هذا هو الفخ الذي يريده دعاة التقسيم والفتنة.

ولا يمكن تجاهل علاقة الحوثي بإيران ومحورها الإقليمي؛ فحين يصبح قرار جماعةٍ يمنية مرتبطاً بالدعم والسلاح والمصالح القادمة من الخارج، يتحول اليمن من صاحب قرارٍ إلى ساحةٍ تُدار فيها حسابات الآخرين. والخطر هنا لا يقع على طائفة بعينها، بل على اليمن كله؛ لأن القرار حين يُسلَّم للخارج تضيع معه مصلحة الشعب، وتصبح أرضه وأبناؤه أوراقاً في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

في انتصار الحوثي بعونٍ من الشعب محرقةٌ تنتظر الشعب نفسه؛ لأن استمرار السلاح خارج الدولة يعني استمرار الخوف والعزلة والحرب. ومن يضع اليمن في موقع التهديد لجيرانه، يعرّض اليمنيين لتبعاتٍ هم أول من يدفع ثمنها. فالسعودية لن تقبل أن تتحول واجهتها الجنوبية إلى مصدر خطرٍ دائم، وأمنها ليس مجالاً للمغامرة أو اختبار الصبر.

أما انتصار الشرعية بعون الشعب، فلا ينبغي أن يكون انتصاراً لاسمٍ أو منصب؛ بل انتصاراً للدولة إذا عادت إلى دورها الحقيقي: راتبٌ يصل للموظف، ومدرسةٌ تفتح للطالب، ومستشفى يعالج المريض، وطريقٌ يصل القرى، وقانونٌ يحاسب الفاسد ويحمي الضعيف. فالشرعية إن لم تكن في خدمة الناس، فلن تبقى مقنعة للناس.

ورَيْشةُ الميزان ليست في يد الحوثي وحده، ولا في يد الشرعية وحدها؛ إنها في يد الشعب اليمني. الشعب هو الذي يمنح الحرب وقودها أو يسحب منها الوقود. وحين ترفض القبائل أن يكون أبناؤها وقوداً للمعارك، وحين يرفض الأهالي إيواء السلاح، وحين يتوقف الإعلام عن تزيين الحرب، يبدأ اليمن في استعادة صوته.

ولا يعني ذلك إشعال حربٍ أهلية جديدة أو فتح باب الانتقام؛ فالدم لا يطفئ الدم، والثأر لا يبني وطناً. إنما يعني أن يقول اليمنيون كلمتهم بوضوح: لا سلاح فوق الدولة، لا حرب باسم الشعب، لا طائفية تفرقنا، ولا تقسيم يمزق أرضنا ومستقبل أولادنا.

نعم لليمن الموحد: دولةً وشعباً ومصيراً.

لا لليمن المقسم: طوائفَ وجماعاتٍ ومناطقَ متنازعة.

فلا نصر لطائفةٍ فوق أنقاض وطن، ولا كرامة لشعبٍ تحكمه المخاوف. النصر الحقيقي لأحرار اليمن؛ لأولئك الذين يضعون الشعب قبل السلطة، والوطن قبل الجماعة، والقرار اليمني قبل أي قرارٍ يأتي من الخارج، والحياة قبل الحرب.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى