بذور في انتظار الأرض

▪︎ واتس المملكة

.

الغضا والأرطى والطلح النجدي والسلم والسدر البري والعرفج والسمر والرمث والضمران، أسماء يعرفها أهل البادية جيدًا، وقد لا تعني شيئًا لمن نشأ في المدينة. لكنها اليوم مسجلة في قوائم رسمية، وبذورها تُجمع بالأطنان وتُحفظ في مواقع مخصصة.

وفي عام واحد، جمع المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر أكثر من 80 طنًا من بذور النباتات الرعوية، شملت 45 نوعًا محليًا. والسؤال الذي يستحق الوقوف عنده، لماذا يجمع أحد بذور نباتات برية لا تُباع ولا تُؤكل؟ وماذا يحدث لها بعد جمعها؟

لماذا نحفظ بذرة؟

فكرة بنك البذور بسيطة في جوهرها، أن تأخذ من النبات بذرته وتحفظها في ظروف تبقيها حية سنوات طويلة، حتى إذا اختفى النبات من موقعه الأصلي بقي منه ما يمكن إعادة زراعته.

والحاجة إلى هذا في بلد مثل المملكة ليست ترفًا علميًا، فالغطاء النباتي هنا يواجه ضغطًا مزدوجًا، الرعي الجائر الذي يستهلك النبات قبل أن ينضج ويعطي بذوره، وتدهور الأراضي والتصحر الذي يقلص المساحات الصالحة للنمو أصلًا.

وحين يختفي نوع نباتي محلي، لا يمكن استبداله بنوع مستورد، لأن النبات المحلي تكيّف عبر آلاف السنين مع تربة هذه الأرض ومناخها وقلة مائها.

2300 نوع… وقائمة أولويات

يبلغ عدد الأنواع النباتية في المملكة نحو 2300 نوع، موزعة على بيئات شديدة الاختلاف، سهول ساحلية، وسبخات ملحية، وصحارٍ صخرية، وأراضٍ شجيرية متقزمة، وغابات جبلية في المرتفعات الجنوبية.

ومع هذا العدد، من الطبيعي ألا تُجمع البذور عشوائيًا، فالأنواع التي يجري التركيز عليها هي الرعوية والبرية التي تدخل في إعادة تأهيل المراعي، إضافةً إلى الأنواع المهددة التي تحتاج حماية عاجلة، أي أن الاختيار يقوم على معيارين، ما ينفع في استعادة الأرض، وما يخشى عليه من الزوال.

من البرية إلى الخزانة

الطريق من النبات في البرية إلى العلبة المحفوظة يمر بخطوات لا تحتمل التساهل، تبدأ بمسح ميداني يحدد أين ينمو النوع، ومتى يزهر ويثمر، لأن جمع البذرة قبل نضجها أو بعد تساقطها يفقدها قيمتها.

وتُجمع بعدها الأجزاء الحاملة للبذور، وتُنقّى من الشوائب، وتُجفف بعدها لخفض نسبة الرطوبة فيها؛ لأن الرطوبة هي العدو الأول للبذرة المخزنة، بعدها تُحفظ في درجات حرارة منخفضة، ويُعاد اختبار حيويتها دوريًا عبر تجارب إنبات، للتأكد من أنها ما زالت قادرة على النمو. والبذرة التي تفقد حيويتها تُستبدل بأخرى طازجة.

أين يحدث هذا في المملكة؟

العمل موزع على أكثر من موقع، ففي بسيطا بمنطقة الجوف محطة لإكثار بذور النباتات الرعوية والبرية والعطرية، زُرعت فيها آلاف الشتلات من أنواع محلية.

وتمثلت في بذور الروثة والضمران والبعيثران والقيصوم، لتكون نباتات أمهات تنتج البذور بدلًا من الاعتماد على الجمع من البرية وحده، وفي منطقة حائل مركز لإكثار البذور الرعوية، وفي الجوف كذلك مركز لأبحاث وتنمية المراعي.

وفي ديسمبر 2024، وبالتزامن مع انعقاد مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في الرياض، دُشّن مركز الأمير فيصل بن مشعل لحفظ وإكثار النباتات المحلية، وهو الأول من نوعه في المملكة، ويضم بنكًا للبذور ومشاتل للإكثار ومعشبة نباتية وقاعة تدريب وحديقة تحتوي على أهم النباتات المحلية، وجاء المركز بشراكة بين جهة حكومية وقطاع خاص وجمعية بيئية غير ربحية.

البذرة لا تبقى في الخزانة

الحفظ ليس الهدف النهائي، فالبذور المجموعة تعود إلى الأرض عبر عمليات نثر واسعة، وعبر إنباتها في المشاتل ونقلها بعد ذلك إلى مواقع التأهيل.

وفي سبتمبر 2026 أُعلن عن خطة لتأهيل نحو 250 ألف هكتار من المراعي الطبيعية، شملت 58 موقعًا و15 فيضة وروضة في عدد من مناطق المملكة.

كما أُطلقت مبادرة لنثر البذور في المزارع الخاصة بمنطقة حائل، يتقدم لها أصحاب المزارع عبر منصة إلكترونية، لتتحول أراضيهم إلى مواقع منتجة للنباتات الرعوية المحلية.

من الجوف إلى الإقليم

في أبريل 2026، أطلقت المملكة الشبكة الإقليمية للبذور البرية والرعوية خلال ندوة دولية للمراعي والرعاة عُقدت في تونس، لتكون منصة لحفظ وإدارة الموارد الوراثية النباتية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا.

ومن المقرر أن يحتضن مركز أبحاث وتنمية المراعي بالجوف مقر الشبكة، مع الاستفادة من إمكانات مركز إكثار البذور الرعوية بحائل، أي أن تجربة محلية بدأت في محطات صغيرة صارت تُصدَّر إلى دول تشترك مع المملكة في المناخ نفسه والمشكلة نفسها.

ما الذي نحفظه فعلًا؟

بذور وخزائن ودرجات حرارة، لكن ما يُحفظ في تلك العلب أوسع من ذلك. الغضا والأرطى والعرفج ليست مجرد أسماء نباتات، بل جزء من مشهد هذه الأرض ومن لغة أهلها وأمثالهم وأشعارهم.

والبذرة التي تُوضع اليوم في مكان بارد ومظلم، إنما توضع على أمل أن تخرج بعد سنوات إلى أرض تنتظرها. وهذا وحده يكفي سببًا للاهتمام بما يجري في محطة صغيرة في بسيطا الجوف، أو في مركز على أطراف حائل.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى