صيفية العمل المرن.. |

▪︎ واتس المملكة

.

يدعو المقال إلى التعامل مع فصل الصيف بوصفه موسمًا يحتاج إلى إدارة عمل مرنة، لا إلى تشديد الرقابة على غياب الموظفين، عبر مبادرة مثل «صيفية العمل المرن» تُنظَّم فيها الإجازات وساعات العمل والتناوب بشكل م وعادل. ويؤكد أن المرونة يجب أن تكون منضبطة وواضحة الضوابط ومقترنة بالمسؤولية والإنجاز، بما يحقق…

مع بداية كل صيف، يتغير إيقاع الحياة ، تنتهي الدراسة، وتبدأ الإجازات، وتزداد المناسبات الاجتماعية، وتتسع دائرة الالتزامات الأسرية، ويجد كثير من الموظفين أنفسهم أمام موسم مختلف تمامًا عن بقية أشهر السنة ، وفي الجهة الأخرى من المشهد، تبقى المنشآت مطالبة بالاستمرار في أعمالها، والوفاء بالتزاماتها، وتحقيق مستهدفاتها، وتقديم خدماتها بالكفاءة نفسها ، وبين هذين الطرفين تبدأ الحكاية التي تتكرر كل عام: تزداد طلبات الإجازات، وتتكرر الاستئذانات، وتظهر حالات التأخر والغياب، ثم تبدأ بعض المهام بالتراكم على الموظفين الموجودين في العمل ، ومع مرور الوقت، قد نجد موظفًا أو موظفين يتحملون أعباء إضافية لأن زملاءهم في إجازات، بينما تتأخر إجازاتهم هم، أو يحصلون عليها في أوقات لم تعد مناسبة لهم.

وهنا لا أعتقد أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل الموارد البشرية هو: كيف نمنع الموظف من الغياب خلال الصيف؟
بل ربما السؤال الأهم هو: كيف ندير موسم الصيف بطريقة تحقق مصلحة العمل، وتحفظ للموظف حقه واحتياجاته، وتضمن في الوقت نفسه العدالة بين أفراد الفريق؟

فالواقع أن الموظف لا يترك حياته عند باب المنشأة ، خلف كل موظف أسرة، وأبناء، ووالدان، ومناسبات، والتزامات اجتماعية، وحياة تحتاج إلى أن تُعاش ، ومع انتهاء العام الدراسي تحديدًا، تتغير مسؤوليات كثير من الأسر؛ فالأبناء في المنزل، والرحلات تزداد، والمناسبات تتكاثر، والاجتماعات العائلية تصبح أكثر حضورًا ، وهذه ليست دعوة إلى التغيب أو التقصير، لكنها حقيقة اجتماعية لا يمكن للموارد البشرية أن تتجاهلها إذا كانت تريد أن تفهم الموظف وتدير أداءه بصورة أكثر واقعية ، فالإنسان عندما يعجز عن ترتيب جوانب حياته خارج العمل قد يحضر إلى عمله بجسده، بينما يبقى جزء من تفكيره منشغلًا بما تركه خلفه ، وربما لا تكون المشكلة في عدد الساعات التي يقضيها في مكتبه، وإنما في مستوى التركيز والطاقة الذهنية التي يستطيع أن يقدمها خلالها.

شعار الموقع

أخبار عاجلة - أخبار حصرية - أوامر ملكية

منوعات | فيديو | صور | تقنية
رياضة | وظائف | صحة

إشترك بخدمة الواتساب مجاناً
لتصلك الرسائل

انقر هنا للإنضمام

ومن هنا تبدأ فكرة تستحق أن نناقشها بجدية: ماذا لو تعاملنا مع الصيف باعتباره موسمًا يحتاج إلى إدارة مرنة، وليس مجرد موسم تكثر فيه طلبات الإجازات؟
ماذا لو أطلقت المنشآت مبادرة موسمية تحت مسمى «صيفية العمل المرن»؟

الفكرة ليست في منح الموظف حرية مطلقة في الحضور والانصراف، وليست في تقليل الالتزام أو تحويل العمل إلى خيار مفتوح، وإنما في إعادة تنظيم العمل خلال فترة الصيف، وفق ما تسمح به الأنظمة وطبيعة كل منشأة وكل وظيفة ، قد تكون المرونة في منشأة ما من خلال إعادة توزيع ساعات العمل، وفي منشأة أخرى من خلال التناوب بين الموظفين، وفي جهة ثالثة من خلال جدولة الإجازات والاستئذانات مًا بصورة أكثر عدالة ، وقد تكون في بعض الوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك من خلال المرونة في أوقات بداية ونهاية العمل أو غيرها من النماذج التي يمكن تطبيقها نظاميًا وتشغيليًا.

المهم هنا أن العمل المرن لا يعني عملًا أقل، وإنما قد يعني طريقة أكثر ذكاءً لتنظيم العمل ، فالمنشأة لها حقها في استمرار أعمالها وتحقيق أهدافها، والموظف له حقوقه النظامية واحتياجاته الإنسانية، والفريق بأكمله له حقه في ألا يتحول غياب أحد أفراده إلى عبء دائم على الآخرين ، وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل التخطيط الم أكثر أهمية.

فإذا كانت الإجازات معروفة مًا، لماذا لا يتم تنظيمها ضمن جدول صيفي يضمن التناوب؟ وإذا كان من الممكن إعادة توزيع بعض المهام، فلماذا لا يحدث ذلك قبل بداية الإجازات بدلًا من انتظار غياب الموظف ثم البحث عن حل؟ وإذا كانت بعض الوظائف تسمح بمرونة أكبر، فلماذا لا تتم دراسة ذلك ضمن إطار واضح بدلًا من التعامل مع كل حالة باعتبارها استثناءً منفردًا؟
بهذه الطريقة يمكن أن ننتقل من إدارة الغياب إلى إدارة المرونة ، والفرق بينهما كبير.

إدارة الغياب تعني أن المشكلة تقع ثم نحاول التعامل معها ، أما إدارة المرونة فتعني أن نتوقع احتياجات الموظفين ونخطط لها مًا، دون أن نفقد السيطرة على احتياجات العمل ، وهنا تظهر قيمة الموارد البشرية الحديثة؛ فهي لا تكتفي بتطبيق اللوائح، بل تبحث عن الطريقة التي تجعل اللوائح والسياسات أكثر قدرة على تحقيق أهدافها.

ومن المهم أيضًا ألا نخلط بين المرونة والتساهل ، فالمرونة المهنية يجب أن تكون مرتبطة بالمسؤولية ، لا يمكن أن يحصل الموظف على المرونة ثم يترك مهامه دون تسليم، أو يحمّل زملاءه أعباء غيابه، أو يؤثر في جودة الخدمة ، وفي المقابل، لا ينبغي أن تصبح الحاجة إلى الانضباط ذريعة لحرمان الموظف من حقوقه النظامية أو تجاهل ظروف يمكن تنظيمها مًا ، لذلك فإن أي نموذج لـ«صيفية العمل المرن» يجب أن يكون محدد المدة، واضح الضوابط، خاضعًا للأنظمة واللوائح الداخلية، ومبنيًا على طبيعة الوظيفة واحتياج التشغيل، مع الحفاظ على مستوى الخدمة والإنتاجية وعدم الإضرار بحقوق بقية الموظفين.

وربما تكون هذه المبادرة فرصة لإعادة التفكير أيضًا في مفهوم الإنتاجية ، نحن نقيس الحضور لأنه مهم، ونقيس الالتزام بالمواعيد لأنه مهم، لكن هل يكفي ذلك وحده للحكم على أداء الموظف؟
ماذا لو أصبح السؤال أيضًا: ماذا أنجز؟ هل حقق أهدافه؟ هل حافظ على جودة عمله؟ هل سلّم مهامه قبل إجازته؟ وهل ساهم في أن يستمر العمل بسلاسة أثناء غيابه؟
عندها يمكن أن يصبح العمل المرن مرتبطًا بالإنجاز وليس مجرد تقليل في الوقت ، وهنا نصل إلى جوهر الفكرة: المرونة لا ينبغي أن تكون امتيازًا لفرد على حساب الفريق، كما لا ينبغي أن يكون الانضباط عبئًا على الإنسان.

نحن بحاجة إلى معادلة أكثر توازنًا؛ معادلة تمنح الموظف مساحة إنسانية، وتحفظ للمنشأة استمراريتها، وتضمن للفريق عدالته ، فالموظف الذي يشعر أن منشأته تراعي احتياجاته الإنسانية قد يكون أكثر استعدادًا لمراعاة احتياجات العمل ، والموظف الذي يجد أن إجازته منظمة ولا تسبب ضغطًا على زميله سيكون أكثر حرصًا على تسليم مسؤولياته ، والمنشأة التي تخطط للمرونة بدلًا من انتظار الغياب قد تكتشف أن جزءًا كبيرًا من المشكلات التي تتكرر في الصيف يمكن الحد منها قبل أن تبدأ.

لهذا، ربما آن الأوان لأن نخرج من السؤال التقليدي: كيف نضبط الموظف في الصيف؟
إلى سؤال أكثر نضجًا:
كيف نصمم العمل في الصيف بما يجعل الموظف أكثر استقرارًا، والفريق أكثر عدالة، والمنشأة أكثر إنتاجية؟

قد لا تكون «صيفية العمل المرن» مناسبة لكل منشأة، وقد لا يكون النموذج نفسه قابلًا للتطبيق في جميع القطاعات والوظائف، وهذا أمر طبيعي ، لكن الفكرة تستحق أن تطرح على طاولة الموارد البشرية، وأن تخضع للنقاش والدراسة والتجربة وفق الأطر النظامية والاحتياج التشغيلي لكل جهة ، ومن هنا، فإن ندائي إلى الأخوة في الموارد البشرية، وإلى قيادات الموارد البشرية وصناع السياسات والمهتمين بتطوير بيئات العمل:
فلنناقش «صيفية العمل المرن».

فلنبحث عن نماذج عملية تحقق التوازن بين حق الموظف واحتياج المنشأة، وبين المرونة والانضباط، وبين الحياة والعمل ، لسنا بحاجة إلى أن نختار بين الإنسان والإنتاجية ، ربما نستطيع أن نصمم بيئة عمل تحافظ على الاثنين معًا.

فالموارد البشرية التي ترى الموظف إنسانًا لا تتنازل عن الإنتاجية، بل تبحث عن الطريقة التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على تحقيقها ، وربما يكون صيف هذا العام فرصة لأن نبدأ حوارًا جديدًا:

هل نستطيع أن نجعل المرونة مسؤولية مشتركة، بدلًا من أن تكون استثناءً؟

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى