حرّروا الموظف من الدخل الواحد!!

▪︎ واتس المملكة

.

يدعو المقال إلى إعادة تعريف مفهوم الاستقرار الوظيفي للموظف الحكومي بحيث لا يعني الجمود، بل السماح له بممارسة نشاط تجاري واحد كل ٥ سنوات وفق ضوابط صارمة تمنع تعارض المصالح وتضمن حوكمة عادلة للفرص. كما يقترح استحداث “سنة تفرغ اقتصادي” كل ١٠ سنوات دون راتب مع حفظ الوظيفة، ليؤسس الموظف مشروعًا أو يختبر…

هل الوظيفة استقرارٌ أم جمود؟

سؤال يستحق أن يُطرح في زمن تتغير فيه الاقتصادات، وتتسع فيه الأسواق، وتتولد فيه الفرص بوتيرة لم تعد تسمح بأن تبقى الوظيفة مجرد علاقة ثابتة بين موظف وراتب ووقت.

الوظيفة الحكومية قيمة واستقرار ومسؤولية، ولا ينبغي أن تُمس مكانتها أو يُفتح فيها باب لتعارض المصالح. لكن الاستقرار لا يعني الجمود، والوظيفة لا ينبغي أن تكون نهاية الطموح الاقتصادي.

من هنا تبدأ الفكرة: أن يُمنح الموظف الحكومي، وفق الأهلية وطبيعة الوظيفة والضوابط النظامية، فرصة لمزاولة نشاط تجاري واحد كل خمس سنوات، في أنشطة مدروسة ذات جدوى اقتصادية، وبما لا يتعارض مع وظيفته أو يستغل موقعه.

نشاط واحد فقط.

فإن نجح ؛ نمّاه وطوّره. وإن تعثر ؛ لم يكن التعثر نهاية الطريق ، بل ينتظر الدورة التالية، وبعد خمس سنوات، يحق له اختيار نشاط آخر. وهكذا تتحول التجربة التجارية إلى مساحة للتعلم، لا إلى مغامرة مفتوحة؛ وإلى حق في المحاولة، لا وعد بالنجاح.

وهنا تكمن أهمية أن تكون الأنشطة المختارة مدروسة مًا؛ فلا يُترك الموظف يطارد موضة تجارية أو يقلد تجربة سمع بها، بل تتوافر له معلومات السوق، والتكاليف، والطلب، ومخاطر النشاط، والتدريب الأساسي الذي يساعده على اتخاذ قرار اقتصادي واعٍ.

لا نعطيه رخصة فقط؛ نعطيه فرصة مدروسة.

وفي سوق تجاري واسع ؛ تتعدد فيه الأنشطة ويبرز فيه حضور العمالة الأجنبية في مجالات كثيرة، فإن توسيع مشاركة المواطن في ملكية النشاط وإدارته ليس إقصاءً لأحد؛ بل توسيع طبيعي لدائرة المشاركة الوطنية في اقتصاد الوطن.

وقد يكون لذلك أثر يتجاوز الفرد إلى تضييق مساحة التستر التجاري؛ فحين تتسع أمام المواطن أبواب الملكية والممارسة النظامية ؛ تضيق مساحة الملكية الصورية والشراكات المستترة. والمواطن الذي يملك نشاطه فعلًا، ويمارسه باسمه، ويحاسب عليه ؛ أقل حاجة إلى أن يكون غطاءً لنشاط يديره غيره.

ثم نصل إلى الحلقة الأكثر جرأة في الفكرة: التفرغ الاقتصادي.

إذا كان الأكاديمي قد يُمنح سنة للتفرغ العلمي والبحث والتطوير، فلماذا لا تُدرس للموظف الحكومي سنة للتفرغ الاقتصادي، مرة كل عشر سنوات، دون راتب، مع حفظ حقه في العودة إلى وظيفته، متى استوفى شروط الأهلية ولم يكن في ذلك تعارض مع طبيعة عمله؟

عام واحد فقط.

يخرج فيه الموظف من إيقاع الوظيفة إلى ميدان السوق؛ يدرس مشروعًا، ويؤسس نشاطًا، ويختبر فكرته، ويتعلم الإدارة، ويعرف معنى الربح والخسارة، ويكتشف قدرته على صناعة مورد جديد.

قد يعود إلى وظيفته بخبرة اقتصادية جديدة؛ وقد يعود بمشروع ناجح؛ وقد يكتشف أن مستقبله أصبح في مكان آخر.

وفي هذه النقطة لا ينبغي أن تبقى الوظيفة شاغرة.

فالتفرغ الاقتصادي يفتح بابًا لـخريج جديد يشغل الوظيفة مؤقتًا، بعقد محدد المدة، فيحصل على فرصة عمل وخبرة عملية، وتُحتسب له خدمته وفق الضوابط النظامية.

وهكذا تتحرك الوظيفة بدل أن تتجمد:

موظف يتفرغ، وخريج يعمل، ومشروع يُختبر، وخبرة تُكتسب.

وقد ينجح المشروع إلى الحد الذي يجعل الموظف يختار الاستقالة، بإرادته ووفق الأنظمة، ليتفرغ له. وهنا تحدث النقلة التي تستحق أن نتوقف عندها:

الموظف الذي كان يشغل وظيفة يصبح صاحب منشأة، والمنشأة التي بدأت بجهد فردي قد تصبح مصدرًا لوظائف جديدة.

من طالب وظيفة إلى صانع وظائف.

وهنا لا تعود الفكرة مرتبطة بزيادة دخل فرد، وإنما بتحريك دورة اقتصادية كاملة.

فالفكرة الصغيرة قد تصبح مشروعًا، والمشروع منشأة، والمنشأة وظائف، والوظائف دخولًا جديدة، والدخول حركة في السوق.

وهذه هي فلسفة الاقتصاد المتحرك: ألا تبقى الطاقات البشرية محصورة في مسار واحد، وألا تبقى الفرص حكرًا على من بدأوا أعمالهم من خارج الوظيفة الحكومية.

ولعل أجمل ما في الفكرة أنها لا تطلب من الموظف أن يترك وظيفته؛ بل تمنحه فرصة ليعرف ماذا يستطيع أن يفعل خارجها.

وإذا كان الوطن ينوع اقتصاده، ويفتح مجالات جديدة للاستثمار، ويمكّن القطاع الخاص، فمن الطبيعي أن يمتلك المواطن نفسه فرصة منظمة لتنويع مشاركته الاقتصادية.

وهنا تلتقي الفكرة مع روح رؤية المملكة 2030: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، وطن طموح.

فالطموح الوطني لا يصنعه كبار المستثمرين وحدهم؛ تصنعه أيضًا آلاف المبادرات الصغيرة التي تبدأ بفكرة، ثم تكبر بالعمل، ثم تتحول إلى قيمة مضافة.

وبطبيعة الحال، لا بد أن تكون الحوكمة هي السياج: نشاط واحد، وإفصاح، وترخيص، ومنع تعارض المصالح، وحظر استغلال النفوذ والمعلومات، وعدم ممارسة النشاط أثناء الدوام، ومراجعة التجربة وقياس نتائجها.

لا نحتاج إلى نظام يضمن النجاح؛ نحتاج إلى نظام يضمن عدالة الفرصة.

ولا نريد أن يتحول الموظف إلى تاجر على حساب وظيفته؛ بل نريد أن يتحول، إن أراد واستطاع، إلى مواطن أكثر إنتاجًا، وأكثر استقلالًا، وأكثر قدرة على صناعة الفرص.

إنها ليست دعوة للخروج من الوظيفة؛ بل دعوة إلى إخراج

الوظيفة من دائرة الجمود إلى دائرة الحركة.

فحين يتحرك الموظف، تتحرك معه فرصة.

وحين تتحرك الفرصة، يتحرك معها خريج.

وحين يتحرك الخريج، تتحرك منشأة.

وحين تتحرك المنشأة، تتولد وظائف.

وهكذا يصبح الموظف جزءًا من دورة اقتصادية لا تنتهي عند دخله، بل تبدأ منه.

حرّروا الموظف من الدخل الواحد؛ لا من الوظيفة.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى